التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - كلام عن حقيقة الشكر و مراحله الثلاث علم و حال و عمل
كلام عن حقيقة الشكر و مراحله الثلاث: علم و حال و عمل
ذكر الإمام أبو حامد الغزالي: أنّ الشكر- و هو من مقامات السالكين- ينتظم من علم و حال و عمل. فالعلم هو الأصل الذي يورث الحال. و الحال يوجب العمل.
أمّا العلم فهو: معرفة النعمة من المنعم. و الحال هو: الفرح و الانبساط الحاصل للمنعم عليه بالإفضال عليه. و العمل هو القيام بما يوجب رضى المنعم فيزيده فضلا. و هذا العمل يتعلّق بالقلب و بالجوارح و باللسان جميعا، و لكلّ وظيفته في أداء الشكر.
فالأصل الأوّل- و هو معرفة الإحسان- إنّما يتمّ بمعرفة النعمة من وجوهها الثلاثة: معرفة عين النعمة، فلا تلتبس عليه نقمة حسبها نعمة جهلا.
و معرفة وجه كونها نعمة في حقّه بالذات، إذ قد يكون ما ظاهره نعمة- و بالنسبة إلى العموم- هي نقمة في واقعها بشأنه الخاصّ، كما في الاستدراج.
و معرفة ذات المنعم و ما عليه من كمال و جمال و الباعث له على هذا الإنعام إذ قد يكون الإحسان إغفالا للمحسن إليه لغرض الإذلال- كما في الممتنّ- أو الاستثمار أحيانا، نظير تعليف الدوابّ لغرض الاستدرار.
قال: كلّ هذه الأمور إنّما تجري في حقّ غيره تعالى، فأمّا في حقّ اللّه تعالى فلا يتمّ إلّا بأن يعرف أنّ النعم كلّها من اللّه و هو المنعم المفضل بالإحسان إلى عباده أجمعين. أمّا الوسائط فهم مسخّرون من جهته تعالى و مأمورون بأمره و يفعلون ما يؤمرون.
و هذه المعرفة وراء التقديس و التوحيد، واقعة في الرتبة الثالثة من معارف الإيمان. إذ الرتبة الأولى من معارف الإيمان هو التقديس، و هو تنزيهه تعالى عمّا لا يناسب شأنه العظيم. و إذا عرف أن لا ذات مقدّسة سواه تعالى، فقد نال رتبة التوحيد و أن لا منزّه سواه، ثمّ يعلم أنّ كلّ ما في عالم الوجود فهو من ذلك الواحد الواجب الوجود. فالكلّ نعمة منه و فضل تفضّل به على العباد أجمعين.
فتقع هذه المعرفة في الرتبة الثالثة، و تنطوي على التقديس و التوحيد إلى جنب القدرة الكاملة و الانفراد بالفعل دون من سواه.
و لعلّ هذا المعنى قصده الرسل الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قوله:
[٢/ ١٨٨٧] «من قال: سبحان اللّه فله عشر حسنات. و من قال: لا إله إلّا اللّه فله عشرون حسنة.