التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - كلام في«لعل» حيث جاء في القرآن
قلت: المستفاد من «لعلّ» بالنظر إلى مواقع استعمالها في اللغة و في القرآن بالذات، أنّها تتوسط بين أمرين يكون المقدّم منهما سببا اقتضائيّا لوقوع التالي، و ليس علّة تامّة. و هذا لا يختلف فيما إذا كان المستعمل عالما بالوقوع أو راجيا له.
فقولك: أسلم لعلّك تفلح، يفيد أنّ الإسلام سبب للفلاح أي أرضيّة صالحة لحصول الفلاح، لو لا المانع و سائر العراقيل، لا أنّه السبب الحتم و العلّة التامّة للفلاح.
و هذا لا يفترق بين أن يكون القائل بهذا الكلام آحاد الناس أو العلماء أو الأنبياء، أو اللّه سبحانه و تعالى. إذ هذا الكلام إنّما ألقي لبيان هذه العلاقة (السببيّة غير التامّة) بين المقدّم و التالي. و لا ربط له بشخصيّة قائله، سواء العالم بعواقب الأمور أم الجاهل بها.
و هكذا ورد قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[١] دليلا على أنّ الغاية من تبيين الآيات هداية الناس، و أنّه السبب المقتضي لهدايتهم إن استحبّوا الهدى على العمى، لا الذي أعرض و تولّى.
و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قولوا: لا إله إلّا اللّه تفلحوا» بيان للسبب المقتضي للفلاح، و هو نبذ الشرك و الأخذ بالتوحيد، لكن بشرط الاستقامة عليه حتّى النهاية: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ[٢].
فقولهم: «لعلّ» للترجّي. أي تستعمل في مواضع يكون ترتّب التالي على المقدّم، ممّا يترجّى و يتوقّع، لا بلحاظ حال المتكلّم، بل بلحاظ الموقعيّة الخاصّة للكلام.
و في كثير من الروايات: أنّ «لعلّ» من اللّه واجبة:
[٢/ ١٨٤٥] روى ابن أبي حاتم بإسناده عن عون بن عبد اللّه. قال في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: لعلّ من اللّه واجبة. و هكذا قال سفيان[٣]. و هكذا غيرها من روايات.
و المراد: أنّ اقتضاء المقدّم للتالي- حيث وقع في كلامه تعالى- أمر حتم، حيث تواجدت سائر شرائطه. لأنّه منه تعالى وعد، و اللّه لا يخلف الميعاد.
[١] آل عمران ٣: ١٠٣.
[٢] فصّلت ٤١: ٣٠.
[٣] ابن أبي حاتم ١: ١١٣.