التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٨ - ملحوظة
إذن فإطلاق الفاحشة على الزنا، كان من باب إطلاق المفهوم العامّ على أحد مصاديقه، لا أنّه هو مفهومه بالذات.
فهنا- في آية جزاء الفحشاء من سورة النساء- لم يتعيّن إرادة الزنا- أو اللواطة- بالخصوص، بعد احتمال اللفظ لأيّ عمل سوء كان فاحشا عارم السّوء، و منكرا يستقبحه العرف العامّ.
و بعد، فإذ كان اللفظ يحتمل المعنى الأعم للفحشاء، فمن المحتمل القريب، بل لعلّه الأظهر حسب سياق الآية مساقها في معرض غفران العثرات ممّن: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[١]. فلعلّ الآية هادفة إلى الحفاظ على كرامة الأسرة المتعفّفة، فلا تتبرّج نساؤهم و لا تستهتر بنفسها عرضة رخيصة في متناول الأجانب، فإن شهد جماعة من أعضاء الأسرة، ذلك من إحدى نساءهم فليحولوا دون خروجها، و إمساكها في البيوت، لعلّها تفيء إلى رشدها، أو ييسّر اللّه لها إمكان الزواج بما يطفى أوارها ذلك المتوهّج.
و هكذا إذا وجدوا من فتيين[٢]، يربطهما أواصر مريبة، فليراقبوهما و يذكّروهما و يؤنّبوهما على مشيتهما هذه المريبة، ليتوبا إلى رشدهما، و سوف يتوب اللّه عليهم و يصلح بالهم.[٣]
و يشهد لصحّة هذا الاستنتاج، سوق الآية مساقها مع آيات التوبة و شمول المغفرة لمن تاب و أناب بعيدا عن قضيّة فرض الحدّ و الأخذ بالشدّة على مرتكبي الآثام.
انظر إلى نعومة التعبير هنا: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.[٤]
أمّا إذا كان مجال فرض الحدّ و العقوبة على الجرائم فإنّ اللحن يختلف و يأخذ شدّته و صرامته من غير لين.
الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
[١] الآية رقم ١٧ من سورة النساء، تعقّبا على آية الفحشاء.
[٢] شابّين أو شابّتين أو شابّا و شابّة.
[٣] وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ سورة محمّد ٤٧: ٢.
[٤] النساء ٤: ١٥، ١٦، ١٧.