التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٣ - ملحوظة
و كانت الوصيّة للوالدين. فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، و جعل للأبوين لكلّ واحد منهما السّدس و الثّلث، و جعل للمرأة الثّمن و الرّبع، و للزوج الشّطر و الرّبع.[١]
*** هذا و قد تكلّم جمع من أفاضل العلماء في تواتر حديث «لا وصيّة لوارث» بل في صحّة إسناده فضلا عن إمكان نسخ القرآن به.
قال الإمام البيضاوي: و كان هذا الحكم في بدء الإسلام، فنسخ بآية المواريث و بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا وصيّة لوارث. قال: و فيه نظر، لأنّ آية المواريث لا تعارضه بل تؤكّده، من حيث أنّها تدلّ على تقديم الوصيّة مطلقا. و الحديث من الآحاد، و تلقّي الأمّة له بالقبول، لا يلحقه بالمتواتر[٢].
و من ثمّ نقل الزمخشري عن بعضهم: أنّها لم تنسخ، و الوارث يجمع له بين الوصيّة و الميراث بحكم الآيتين.[٣]
قال الإمام محمّد عبده: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصيّة هنا، و بأنّ السياق ينافي النسخ، حيث اشتماله على التوثيق و التأكيد البالغ بأمر الوصيّة و أنّها حقّ على المتّقين، و عقّبه بالوعيد لمن بدّله و غير ذلك من شواهد في نفس الآية تدلّ على أنّها شريعة تأسيس لا شريعة في عرضة الزوال.
قال: و بإمكان الجمع بين الآيتين- حسبما ذكره بعضهم- كما جوّز بعض السلف، الوصيّة للوارث نفسه إذا أحوج من سائر الورثة. فيا ترى كيف يحتّم الحكيم الخبير اللطيف بعباده، التساوي بين الفقير و الغني من الورثة، بحيث لا يدع مجالا للإيصاء بالتوفّر للمعوز منهم. و من ثمّ قدّم الوصية على الميراث، و أن يجعل الوالدين و الأقربين المعوزين أولى بالوصيّة لهم في آية أخرى- كما هنا- لعلمه سبحانه بما يكون من تفاوت بينهم في الحاجة أحيانا، إذن فلا تعارض آية المواريث آية الوصيّة، حتّى تكون ناسخة لها.
و أمّا الحديث، فقد حاولوا إلحاقه بالمتواتر، بحجّة أنّ الأمّة تلقّته بالقبول.
و لعلّه مبالغة بشأن حديث لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به، فلم يروه أحد منهما مسندا.
[١] البخاري ٦: ٥٥. تفسير سورة النساء.
[٢] تفسير البيضاوي ١: ٢١٥.
[٣] الكشّاف ١: ٢٢٤.