التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٩ - ٣ - نسخ الحكم دون التلاوة
و لا دليل في المقام، نظرا لضعف ما ورد بذلك من روايات.
و مضافا إلى أنّ المنسوخ يجب أن يكون إلزاما، فيرتفع بالناسخ الذي هو إلزام آخر ينافيه .. لا إذا كان أمرا ندبا لا إلزام فيه، حيث صراحة الآية بذلك فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ ... يعني: كان الأمر لها، إمّا تطالبه أو تعفيه كما قال العلّامة الطباطبائي: كان ذلك حقّا لهنّ، و الحقّ يجوز تركه. فكان لهنّ أن يطالبن به و أن يتركنه.[١]
و عليه فلا تنافي بين الآية و ما حسبوه ناسخا لها.
فالأظهر أنّ الآية لا تمسّ مسألة الاعتداد و لا الحداد، و لا هي ناظرة إلى عادة جاهليّة بائدة و إنّما هي شريعة إسلاميّة عريقة جاءت لتقرّر جانب السماح و الإنصاف في سلوك الجماعة المسلمة، فليراعوا الحقوق المفروضة أو المندوب إليها برحب و سماح فإنّ المؤمن سهل القضاء و سهل الاقتضاء- كما في الحديث[٢]- و لا سيّما في مثل هذه المرأة المسكينة- و التي انهدم صرح شوكتها- فيراعوا جانبها برفق و لين و وئام.
و من ثمّ فالأوفق بظاهر الآية أنّها نزلت بعد آية العدد، و التي كانت صارمة في التكليف الباتّ فجاءت هذه لترقّق و تلطّف جانب القضيّة و لتقرّر حقّا لها إلى جنب ما كان عليها من حقّ مفروض.
فالصحيح ما ذهب إليه سيّدنا الأستاذ- طاب ثراه- من كون الآية ندبا إلى أمر مترجّح، تجاه آية العدد التي كانت صارمة و إلزاما لا مفرّ منه.
*** كما أنّه ليس في ظاهر تعبير الآية أنّها تقرير لشريعة جاهليّة كانت سائدة فأقرّتها.
و هكذا ليس في روايات الباب ما يشي بذلك، و أن كانت هناك آية قرّرت أمرا ثمّ جاء ناسخها و إنّما الروايات تحدّث عن شريعة إسلاميّة جاءت لتخفّف من شريعة جاهليّة كانت صعبة.
أمّا أنّ تلك الشرعة الباهظة كان قد أقرّها الإسلام يوما ثمّ نسخها، فليس في رواياتنا و لا إشارة إليه:
[٢/ ٢٩٥٢] فقد روى محمّد بن يعقوب الكليني بالإسناد إلى أبي بصير عن الإمام أبي عبد اللّه
[١] الميزان ٢: ٢٥٩. هذا كلامه قدّس سرّه و مع ذلك فرض الآية منسوخة! و هذا غريب و لعلّه متهافت مع فرض الندب! فتدبّر!
[٢] انظر: الفقيه ٣: ١٩٦/ ٣٧٣٧، عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.