التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٧ - وقفة عند مسألة السحر
التي ليس لها اسم بعد، كيف يحسّ أنّ أمرا ما سيحدث بعد قليل أو أنّ شخصا ما قادم بعد قليل، ثمّ يحدث ما توقّع على نحو من الأنحاء؟!
إنّه من المكابرة في الواقع أن يقف إنسان لينفي ببساطة مثل هذه القوى الروحيّة في الكائن البشري، لمجرّد أنّ العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرّب بها هذه القوى؟!
نعم، ليس معنى هذا هو التسليم بكلّ خرافة، و الجري وراء كلّ أسطورة. إنّما الأسلم و الأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفا مرنا: لا ينفي على الإطلاق و لا يثبت على الإطلاق، حتّى يتمكّن العلم بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه، أو يسلّم بأنّ في الأمر شيئا فوق طاقته، فيعرف حدوده، و يحسب للمجهول في هذا الكون حسابه.
قال سيّد قطب: السحر من قبيل هذه الأمور. و تعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور.
و قد تكون صورة من صوره: القدرة على الإيحاء و التأثير، إمّا في الحواسّ و الأفكار، و إمّا في الأشياء و الأجسام و إن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرّد تخييل لا حقيقة له: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و لا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء و زوجه، و بين الصديق و صديقه. فالانفعالات تنشأ من التأثّرات و إن كانت الوسائل و الآثار، و الأسباب و المسبّبات، لا تقع إلّا بإذن اللّه، حسبما أسلفناه.
قال: أمّا من هما هاروت و ماروت؟ و متى كانا ببابل؟ فإنّ قصّتهما كانت متعارفة بين اليهود، حيث لم يكذّبوا هذه الإشارة و لم يعترضوا عليها و قد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها، و كان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض، و لم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر، لأنّ هذا التفصيل ليس هو المقصود.
و ليس من المستحسن لنا الجري خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصّة هاروت و ماروت، إذ ليست هنالك رواية واحدة محقّقة يوثق بها.
و لقد مضى في تاريخ البشريّة من آيات و ابتلاءات ما يناسب حالتها و إدراكها في كلّ طور من أطوارها فإذا جاء الاختبار في صورة ملكين، أو في صورة رجلين طيّبين كالملائكة. فليس هذا