التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٦ - وقفة عند مسألة السحر
و عليه فكلّ ما حيك على غير هذا المنوال، وهم أو خيال و من نسج الإسرائيليّات.
وقفة عند مسألة السحر
لا بدّ من وقفة هنا عند مسألة السحر، ممّا كان اليهود يجرون خلفه و يتركون كتاب اللّه وراء ظهورهم:
إنّه لا يزال مشاهدا بين حين و آخر أنّ بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد. لقد تسمّى بعضها بأسماء و لكن من غير أن يحدّد كنهها و لا طرائقها.
هذا «التيليپاثي»- التخاطر من بعيد- ما هو؟ و كيف يتمّ؟ و كيف يملك إنسان أن يلهم إنسانا على أبعاد و فواصل شاسعة، فينتقل منه إليه خاطرة أو فكرة .. من غير أن يشعر الآخر بهذا الإخطار الذهني الذي أتاه من بعد، و قد يكون من موجود روحاني خارج هذه الحياة، فيزعم أنّه من فكرته، و إن كان قد يستغرب خطور مثل هذه الخاطرة في ذهنه، و من غير سابقة و لا مناسبة!!
و هو نوع إيحاء عرف باسم الإلهام بفارق: أنّ الملهم لا ينكشف له مصدر الإلهام في حين أنّ الوحي الرسالي مشهود لدى الموحى إليه، ذات الوحي و الذي أوحى إليه، شهود قطع و يقين.[١]
و هذا «التنويم المغناطيسي» ما هو؟ و كيف يتمّ؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، و أن يتّصل فكر بفكر، فإذا أحدهما يلقى إلى الآخر، و إذا أحدهما يتلقّى عن الآخر، كأنّما يقرأ في كتاب مفتوح؟!
قال سيّد قطب: إنّ كلّ ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها، هو: أن أعطاها أسماء! و لكنّه لم يقل قطّ: ما هي؟ و لم يقل قطّ: كيف تتمّ؟
و ثمّة أمور كثيرة أخرى يماري فيها العلم، إمّا لأنّه لم يجمع منها مشاهدات كافية للاعتراف بها، و إمّا لأنّه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه، هذه الأحلام التنبّئيّة: كيف يرى الرائي رؤيا عن مستقبل مجهول، ثمّ إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين؟! و هذه الأحاسيس الخفيّة
[١] حسبما شرحناه في مباحثنا عن أقسام الوحي.( التمهيد ج ١).