التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - سورة البقرة(٢) آية ٤٩
ربّهم عظيم (فخيم من حيث النتائج و الآثار)، ليلقي في حسّهم و في حسّ الآخرين ممّن يصادف شدّة في حياته، أنّ إصابة العباد بالمحن و الشدائد، هي امتحان و اختبار و حسن بلاء، و أنّ الّذي يستيقظ لهذه الحقيقة ينتفع من الشدّة و يعتبر بالبلاء و يكتسب من ورائهما خبرة و حنكة، و قدرة روحيّة فائقة، تجعله رجل الخوض في معارك الحياة، ليخرج منها ظافرا شهما و في طمأنينة و سلام.
نعم، إنّ الألم في الحياة لا يذهب ضياعا إذا أدرك صاحبه أنّه يمرّ بفترة امتحان و أحسن الانتفاع بها. و الألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصوّر النزيه و حين تدّخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة و المعرفة و الصبر و الاحتمال، و من زاد للآخرة باحتسابها عند اللّه و بالتضرّع للّه و بانتظار الفرج من عنده و عدم اليأس من رحمته .. و من ثمّ هذا التعقيب اللطيف:
وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. لأنّه لطف منه تعالى بالنسبة لعباده فخيم جسيم.
*** و إذ فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشهد العذاب: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكّيّة التي نزلت من قبل. أمّا هنا فهو مجرّد تذكير لقوم يعرفون القصّة، سواء من القرآن المكّي أو من كتبهم و أقاصيصهم المحفوظة. إنّما يذكّرهم بها في صورة مشهد ليستعيدوا تصوّرها و يتأثّروا بهذا التصوّر، و كأنّهم هم الّذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر و نجاة بني إسرائيل بقيادة موسى عليه السّلام و غرق فرعون و جنوده، كلّ ذلك بمرأى منهم و مشهد ليعتبروا، فليعتبروا و الفرصة متاحة!
قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
[٢/ ١٧٧٩] أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق: كان اسم فرعون الوليد بن مصعب بن الريّان![١].
[١] الطبري ١: ٣٨٥/ ٧٤٤؛ القرطبي ١: ٣٨٣، عن وهب.