التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٩٧ الى ١٠١
كان عدوّا لجبريل، فإنّه معاد للّه و معارض لرسالة اللّه في الأرض. مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ حيث كان العداء مع رسل اللّه عداء مع اللّه و هو في حدّ الكفر باللّه و اللّه عدوّ للكافرين.
ثمّ يتّجه الخطاب إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يثبّته على موضع رسالته، و أن سوف يظهره على الدين كلّه.
و يريه الناس كيف يدخلون في دين اللّه أفواجا و أن لا موضع للمعارض سوى الشذوذ و الانفراد عن ركب جماعة الناس. وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ. و ما هذا الشذوذ و الانحراف عن جادّة الحقّ، سوى امتداد لمنهجهم الملتوي في سائر عهودهم و المواثيق. أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
فقد أخلفوا ميثاقهم مع اللّه في سفح الجبل، و نبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد. و أخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوّل مقدمه إلى المدينة، و هو العهد الّذي وادعهم فيه بشروط معيّنة[١]، بينما كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه، و أوّل من عاب دينه، و حاول بثّ الفرقة و الفتنة في صفوف المسلمين، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه.
وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
و كان هذا من أبرز مظاهر النقض فقد كان عليهم أن يؤمنوا بكلّ رسول يعرفونه رسولا من عند اللّه و ينصروه و يؤازروه و لكنّهم على العكس نابذوا رسول الإسلام و عادوه، في حين أنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
نعم جاءهم كتاب يتوافق مع أسس الشرائع السالفة- دليلا على صدقه- لكنّهم رغم عرفانهم له نبذوه وراء ظهورهم، على غرار جهلة المشركين.
و في هذا التعبير نكاية بهم و سخريّة خفيّة بموضعهم الشنئ، إنّهم حسب زعمهم أهل كتاب و عرفان و لكنّهم بصنيعهم هذه البشعة ساووا جيرانهم المشركين الّذين هم أمّيّون لا علم لهم و لا كتاب.
[١] و سيوافيك نصّ المعاهدة، نقلا من السيرة لابن هشام ٢: ١٤٧- ١٥٠.