التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ٨٩ الى ٩٣
لا بل إنّكم ناكرتم رسالة نبيّكم الأوّل الذي أنجاكم من براثن الذلّ و الصغار، عاندتم موسى الكليم ذلك النبيّ العظيم.
وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ. فهل كان اتّخاذكم العجل بعد ما جاءكم موسى بالبيّنات، و في حياته هل كان ذلك منكم من وحي الإيمان؟ و هل يتوافق ذلك مع دعواكم أنّكم تؤمنون بما أنزل إليكم؟!
*** نعم لم يكن اتّخاذهم العجل البادرة الوحيدة التي اتسمت بها إسرائيل في حياتها الكدرة بل كان هنالك الميثاق عند الصخرة الهاطلة و كان هناك التمرّد و العصيان بشكل أمرّ.
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا.
فهل أطاعوا و هل رضخوا للحقّ الصريح؟ نعم أظهروا الطاعة و خالفوا في العمل!
قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا ...
هذا لسان الحال و ليس لسان القال. و لقد كان استسلامهم حينذاك إظهارا للسماع و الطاعة.
و لكن تمرّدهم المتواصل بعدئذ كان بيانا عن حالتهم التعنّتيّة الجامحة.
و هذا الجموح و الشقاق إنّما هو أثر تلك الطبيعة الغاشمة العاتية المائلة إلى الغيّ و الانحراف عن جادّة الحقّ الصراح فكأنّما عجنت جبلّتهم بالغثاث و اللجاج:
وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ فكأنّما أشرب قلوبهم الجنوح نحو الباطل و من ثمّ ذاك الجموح أمام الحقّ.
و الإشراب في القلوب أبدع تصوير لحالتهم التعنّتيّة الزائفة فهي صورة فريدة. لقد أشربوا فكانت حالة انفعاليّة متميّعة لا صلابة فيها و لا ثبات.
و أشربوا ما ذا؟ أشربوا العجل و ما هي إلّا صورة ساخرة هازئة، صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا، و يحشر فيها حشرا، حتّى ليكاد يذهب بمعنى الحبّ إلى أقصى مراتبه في التفاني و ميوعة الذات و في النهاية إلى التعامي في الحياة.
الأمر الذي استدعى أن لا يروا الحقّ حقّا و يرضخوا إلى ما عشقوه من الزهو الباطل فقد غطّيت وجوههم و ختم على قلوبهم.