التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - القلب في المصطلح القرآني
قال: و نظير هذه الآية قوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ[١]. و قوله: وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ[٢]. و هو من المجاز في الإسناد أي فإنّه آثم في ذاته و جاء بنفسه منيبة.
قال: هذا هو السبب في إسنادهم الإدراك و الشعور و سائر الصفات الباطنة إلى القلب، و مرادهم هي الروح المتعلّقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته، فينسبونها إليه كما ينسبونها إلى الروح و كما ينسبونها إلى أنفسهم، يقال: أحببته و أحبّته روحي و أحبّته نفسي و أحبّه قلبي، كلّ ذلك على سواء و قد استقرّ هذا التجوّز في التعبير، فعبّر بالقلب و أريد به نفس الذات مجازا دارجا، كما ربما نسبوا ذلك إلى الصدر، باعتبار أنّه موضعه و أنّه مجتمع الصفات النفسيّة و لأنحاء الإدراكات و الحالات الجانحيّة.
قال: و في القرآن من هذا الباب الشيء الكثير قال تعالى: يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ[٣]. و قال:
أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ[٤]. و قال: وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ[٥]. و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ[٦]. أي بما يدور في خلدكم[٧].
و كان اختيار القلب رمزا لواقع الإنسان، باعتباره العضو الأساسي في هيكل الإنسان، و الذي تقوم به حيويّته العامّة المسيطرة على سائر الأعضاء و حتّى المخّ الذي هو مركز الإرادة و التصميم في الإنسان، بحاجة إلى أن يمدّه القلب بالحياة النابضة و بالتالي كان الإنسان بحقيقته الذاتيّة، هو المسيطر على القلب باعتباره مركزا لبثّ الحيويّة و على المخّ باعتباره مركزا للإرادة و التصميم فكان دور الإنسان بذاته دور حاكم مسيطر آخذ بزمام الحيويّة و التدبير معا و ما القلب و المخّ إلّا جناحين يبسطهما على مراكز الحركة و التصميم في جميع مراحل الحياة.
و حيث كان القلب هي الأداة الأولى الّتي استخدمتها الروح، و التي توصّلت بها للسيطرة على سائر الأعضاء فكانت المناسبة قريبة لاستعارته عنوانا للإنسان ذاته.
و ممّا جاء استعمال القلب و أريد به الانسان ذاته، قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
[١] البقرة ٢: ٢٨٣.
[٢] ق ٥٠: ٣٣.
[٣] الأنعام ٦: ١٢٥: أي تنشرح الأنفس الكريمة للإسلام.
[٤] الحجر ١٥: ٩٧: أي ضاقت نفسك.
[٥] الأحزاب ٣٣: ١٠: أي تضايقت أنفسهم.
[٦] المائدة ٥: ٧.
[٧] راجع: الميزان ٢: ٢٣٤- ٢٣٦.