التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - التشديد في التكليف عقوبة
و هنا يتوجّه سؤال: كيف يزداد قيد تكليف ورد مطلقا و كان يكفي امتثاله لحينه، الأمر الذي يؤذن بوجود كمال المصلحة حينذاك إذن فكيف تتغيّر المصلحة بسبب مراودة جاهل، لا رابط بينه و بين الحكم و المصالح الواقعيّة، و التي يراعيها الشارع الحكيم؟!
و لأبي جعفر الطبري[١] هنا بحث عريض في ضوء مباني علم الأصول في مباحث العامّ و الخاصّ، حيث يرد تكليف متعلّق بموضوع عامّ مثل: اعتق رقبة. و بعد فترة طويلة و ربما عشرات السنين يأتي التقييد بالمؤمنة و قد كان المكلّفون في الشريعة يأخذون بصيغة العام أو المطلق قبل مجيء الخاص أو القيد و كان يجزيهم العمل به على إطلاقه أمّا و بعد ورود الخاصّ أو التقييد، لا يجزي إلّا مع القيد؟
و من ثمّ قال بعض الأصوليّين: إنّه بالنسخ أشبه منه إلى التخصيص أو التقييد! لأنّ النسخ، رفع حكم سابق بتشريع حكم لاحق، و هنا قد ارتفع الحكم العام بتشريع التخصيص.
أمّا التخصيص فهو شرح لواقع المراد، أي أنّ دليل الخاصّ يكشف عن كون المراد من العام- من الأوّل- هو هذا الخاصّ لا العموم البادي حينذاك.
و لازم ذلك أنّ التكليف من أوّل أمره كان متعلّقا بالعام المخصّص، فالآخذ بالعام من غير مراعاة التخصيص، لم يأت بمراد الشارع فلم يكن ممتثلا للتكليف الواقعي فلا يجزيه ما أتى به و عليه التدارك بالإعادة أو القضاء!!
غير أنّ الفقهاء ملتزمون بالاجتزاء و كفاية ما أتى به حينذاك، و قد امتثل تكليفه و إن كان بعد ورود الخاصّ يجب العمل به بالذات و لازم ذلك هو القول بالنسخ، لوجود خواصّه.
نعم ذكر المتأخّرون: أنّ الحكم العامّ الصادر أوّلا على عمومه، إنّما هو حكم ظاهريّ و لعلّه تسهيلا على المكلّفين، و إن لم يكن مرادا به العموم حينذاك، و لكنّهم رخّصوا في الأخذ به لحكمة التسهيل ثمّ بعد ذلك يأتي البيان الشارح للمقصود، و المبيّن لصلب التكليف في قالبه الخاصّ.
قلت: و الأمر هنا يختلف عن ذاك المبحث الأصوليّ العريق إذ يبدو من لحن الخطاب في الآية
[١] الطبري ١: ٤٩٤- ٤٩٦.