التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - شرائط مشروعية الشفاعة
فهؤلاء التائبون النادمون على ما فرط منهم العازمون على أن لا يعودوا لمثله. هؤلاء تنفعهم شفاعة الشافعين. لا الّذين هم صفر اليد، قد خسروا أنفسهم و أصرّوا و استكبروا استكبارا، و كانوا يصرّون على الحنث العظيم. فهؤلاء لا موضع للشفاعة بشأنهم، إذ لم يمهّدوا لها السبيل.
إنّ مسألة الشفاعة نظير الوعد بقبول التوبة و المغفرة توجب خلق الرجاء في نفوس العباد فلا ييأسوا عن شمول رحمته تعالى، و ليكونوا دائما على رجاء رأفة ربّهم الكريم. و لكن على شرط أن يدنوا منه خطوة فيدنو منهم خطوات و هو أقرب إليهم من حبل الوريد. فلا تجذبهم حبائل الشيطان فينسحبوا خاسرين. إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ[١]. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ[٢].
إذن فالوعد بالشفاعة نظير الوعد بالمغفرة الشاملة، استعطاف بالعباد، ليردعوا و ينتهوا عن جهالات فرطت منهم، فلا يعودوا لما نهوا عنه. عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ[٣]. و هذا على عكس ما زعمه المعترض من إيجاب التجرئة و الإغراء.
شرائط مشروعيّة الشفاعة
لمشروعيّة الشفاعة شرائط يجب توفّرها في كلّ من الشفيع و المستشفع و مورد الشفاعة.
أمّا الشفيع فيجب أن يكون منصوصا عليه و مأذونا من قبله تعالى. ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ[٤]. لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً[٥].
و بذلك تفترق الشفاعة المشروعة من غير المشروعة، بفقد هذا الأخير دليل اعتبارها.
و في ذلك ردّ على المشركين في الاستشفاع بما لا حجّة لهم فيه: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي
[١] يوسف ١٢: ٨٧.
[٢] العنكبوت ٢٩: ٢٣.
[٣] المائدة ٥: ٩٥.
[٤] يونس ١٠: ٣.
[٥] مريم ١٩: ٨٧.