التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - ملحوظة
عِنْدَ رَبِّهِمْ فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربّهم.
فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ؟ قيل:
تمامه جملة قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ لأنّ معناه: من آمن منهم باللّه و اليوم الآخر، فترك ذكر «منهم» لدلالة الكلام عليه استغناء بما ذكر عمّا ترك ذكره.
فإن قال: و ما معنى هذا الكلام؟ قيل: إنّ معناه: إنّ الّذين آمنوا و الّذين هادوا و النصارى و الصابئين من يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم.
فإن قال: و كيف يؤمن المؤمن؟ قيل: ليس المعنى في المؤمن، المعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهوديّ و النصرانيّ إلى الإيمان- و إن كان قد قيل إنّ الّذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى و بما جاء به، حتّى أدرك محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فآمن به و صدّقه، فقيل لأولئك الّذين كانوا مؤمنين بعيسى و بما جاء به إذ أدركوا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: آمنوا بمحمّد و بما جاء به- و لكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع ثباته على إيمانه و تركه تبديله.
و أمّا إيمان اليهود و النصارى و الصابئين، فالتصديق بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و بما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمّد، و بما جاء به و اليوم الآخر، و يعمل صالحا، فلم يبدّل و لم يغيّر، حتّى توفّي على ذلك، فله ثواب عمله و أجره عند ربّه، كما وصف جلّ ثناؤه.
فإن قال قائل: و كيف قال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، و إنّما لفظ «من» لفظ واحد، و الفعل معه موحّد؟ قيل: «من» و إن كان الذي يليه من الفعل موحّدا، فإنّ له معنى الواحد و الاثنين و الجمع و التذكير و التأنيث، لأنّه في كلّ هذه الأحوال على هيئة واحدة و صورة واحدة لا يتغيّر، فالعرب توحّد معه الفعل و إن كان في معنى جمع، للفظه، و تجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جلّ ثناؤه:
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ[١] فجمع مرّة مع «من» الفعل لمعناه، و وحّد أخرى معه الفعل؛ لأنّه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر:
[١] يونس ١٠: ٤٢ و ٤٣.