التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٠ - سورة البقرة(٢) آية ٦٠
مع ذلك لكلّ عين من تلك العيون الاثنتي عشرة موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه؛ فلذلك خصّ جلّ ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم أنّ كلّ أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس، إذ كان غيرهم في الماء الذي لا يملكه أحد شركاء في منابعه و مسائله، و كان كلّ سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر دون سائر منابعه خاصّ لهم دون سائر الأسباط غيرهم، فلذلك خصّوا بالخبر عنهم أنّ كلّ أناس منهم قد علموا مشربهم[١].
*** و قال في تأويل قوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ:
و هذا أيضا ممّا استغني بذكر ما هو ظاهر منه عن ذكره ما ترك ذكره. و ذلك أنّ تأويل الكلام:
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كلّ أناس مشربهم، فقيل لهم: كلوا و اشربوا من رزق اللّه، أخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المنّ و السلوى، و بشرب ما فجّر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور[٢] الذي لا قرار له في الأرض، و لا سبيل إليه إلّا لمالكيه، يتدفّق بعيون الماء و يزخر بينابيع العذب الفرات بقدرة ذي الجلال و الإكرام.
ثمّ تقدم جلّ ذكره إليهم[٣] مع إباحتهم ما أباح و إنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء، بالنهي عن السعي في الأرض فسادا، و العثا فيها استكبارا، فقال جلّ ثناؤه لهم: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
و يعني بقوله: وَ لا تَعْثَوْا لا تطغوا، و لا تسعوا في الأرض مفسدين. كما:
[٢/ ٢١٧٤] رواه الربيع، عن أبي العالية: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا.
[٢/ ٢١٧٥] و روى ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. لا تعث: لا تطغ.
[٢/ ٢١٧٦] و روى سعيد، عن قتادة: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ: أي لا تسيروا في الأرض مفسدين.
[١] الطبري ١: ٤٣٧- ٤٣٩.
[٢] المتعاور: الذي ينقل من يد إلى يد بالتبادل.
[٣] تقدّم إليهم: أمرهم.