التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
كنعان (الأرض الموعودة) و ذلك أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر. فأرسل موسى اثني عشر رجلا يتجسّسون أرض كنعان، من كلّ سبط رجل، و فيهم يوشع بن نون و كالب بن يفنّة، فصعدوا و أتوا إلى مدينة «حبرون»[١] فوجدوا الأرض ذات خيرات، فأخذوا من عنبها و رمّانها و تينها و رجعوا بعد أن قضوا أربعين يوما و أخبروا القوم و أروهم ثمر الأرض، و قالوا: إنّها- حقّا- تفيض لبنا و عسلا. غير أنّ أهلها ذوو عزّة، و مدنها حصينة جدّا. فأوعز موسى إلى كالب و يوشع بأنّهم سوف يصعدون إلى المدينة و يمتلكونها، غير أنّ العشرة الباقين أشاعوا في بني إسرائيل مذمّة الأرض و أنّ فيها جبابرة، فخافت بنو إسرائيل و جبنوا عن القتال. فقام يوشع و كالب و قالا: لا تخافوا فإنّهم سوف يذلّهم اللّه على أيدينا، فلم يكترث القوم بقولهما و تجابنوا. فأوحى اللّه إلى موسى أنّ قومه قد أساءوا الظنّ بربّهم، فعاقبهم بالحرمان من دخول الأرض المقدّسة أربعين سنة يتيهون في الأرض.
قال ابن عاشور: هذه القصّة كما وردت في العهد القديم تنطبق بعض الانطباق مع الآية الكريمة: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ[٢].
قال: قوله تعالى: ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الظاهر أنّه أراد بها «حبرون»[٣] التي كانت قريبة منهم و التي ذهب إليها جواسيسهم و أتوا بأخبارها و ثمارها.
[١] سيأتي الكلام عنها.
[٢] المائدة ٥: ٢١- ٢٦.
[٣] حبرون: هي مدينة الخليل، من أقدم مدن العالم. معروفة بزراعة العنب و التين و صناعة الزجاج. كانت مسكن إبراهيم الخليل و فيها مقبرته. مبنيّة على هضبة على مسافة ٢٠ ميلا من جنوبي أورشليم و ١٠٠ ميل من بلدة ناصرة. بناؤها من حجر الكلس و كانت لها أبواب و أسوار. و كانت بعد فتحها عاصمة الحكم الإسرائيلي، حتّى اتّخذ داود أورشليم عاصمة البلاد.