التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٤ - سورة البقرة(٢) آية ٥٧
من موسى عجّلها فقال اللّه تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ[١]. فلمّا ضرب عليهم التيه ندم موسى! و أتاه قومه الّذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلمّا ندم أوحى اللّه إليه أن لا تأس على القوم الفاسقين؛ أي لا تحزن على القوم الّذين سمّيتهم فاسقين.
فلم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء هاهنا، أين الطعام؟ فأنزل اللّه عليهم المنّ، فكان يسقط على شجر الترنجبين، و السلوى: و هو طير يشبه السمانى، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطير إن كان سمينا ذبحه، و إلّا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كلّ سبط من عين، فقالوا: هذا الطعام و الشراب، فأين الظلّ؟ فظلّل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظلّ فأين اللّباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، و لا يتخرّق لهم ثوب، فذلك قوله: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى و قوله: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ[٢].
[٢/ ٢٠٢٥] عن ابن إسحاق، قال: لمّا تاب اللّه- عزّ و جلّ- على بني إسرائيل، و أمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدّسة، و قال: إنّني قد كتبتها لكم دارا و قرارا و منزلا، فاخرج إليها و جاهد من فيها من العدوّ فإنّي ناصركم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدّسة بأمر اللّه- عزّ و جلّ- حتّى إذا نزل التيه بين مصر و الشام و هي أرض ليس فيها خمر[٣] و لا ظلّ، دعا موسى ربّه حين آذاهم الحرّ، فظلّل عليهم بالغمام، و دعا لهم بالرزق، فأنزل اللّه لهم المنّ و السلوى.
[٢/ ٢٠٢٦] و أخرج عن الربيع بن أنس قوله: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال: ظلّل عليهم الغمام في التيه: تاهوا في خمسة فراسخ أو ستّة، كلّما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الّذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك حتّى مرّت أربعون سنة. قال: و هم في ذلك ينزل عليهم المنّ و السلوى و لا تبلى ثيابهم، و معهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه،
[١] المائدة ٥: ٢٦.
[٢] البقرة ٢: ٦٠.
[٣] الخمر: كلّ ما سترك ما شجر أو بناء أو غيره.