فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٢٠٤
وجه تكنيتها بامّ أبيها
و لعلّ وجه تكنيتها بامّ أبيها هو أنّه صلّى اللّه عليه و آله يعاملها (عليها السلام) معاملة الولد أمّة، و أنّها تعامله معاملة الامّ ولدها، كما أنّ التاريخ يؤيّد ذلك و الأخبار تعضده، ففي الأخبار الكثيرة أنّه صلّى اللّه عليه و آله يقبّل يدها و يخصّها بالزيارة عند كلّ عودة منه إلى المدينة المشرّفة و يودّعها منطلقا عنها في كلّ أسفاره و رحلاته، و كأنّه يتزوّد من هذا النبع الصافي عاطفة لسفره كما يتزوّد الولد المؤدّب من امّها. و تلاحظ من جهة اخرى أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تحتضنه، و تضمّد جروحه، و تخفّف من آلامه كالامّ المشفقة لولدها. و بالجملة كلّ ما يجده الولد في امّه من العطف و الرقّة و الشفقة و الانس، فهو صلّى اللّه عليه و آله يجده في فاطمة (عليها السلام) و كأنّها امّه.
و نقل المولى الأنصاريّ (ره): إنّ النكتة في هذه التكنية إنّما هي محض إظهار المحبّة، فإنّ الإنسان إذا أحبّ ولده أو غيره و أراد أن يظهر في حقّه غاية المحبّة قال: «يا أمّاه» في خطاب المؤنّث، و يا «أباه» في خطاب المذكّر، تنزيلا لهما بمنزلة الامّ و الأب في المحبّة و الحرمة على ما هو معروف في العرف و العادة. [١]
أو أنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا شرّف و كرّم أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بتكنيتهنّ بامّهات المؤمنين صرن في معرض أن تخطر ببالهنّ أنّهن أفضل النساء حتّى من بضعة المصطفى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و لأجل ذلك كنّاها أبوها بأمّ أبيها صونا لهذه الخواطر و الوساوس، يعني يا نساء النبيّ إن كنتنّ امّهات المؤمنين، ففاطمة (عليها السلام) أمّ النبيّ، أمّ المصطفى، أمّ الرسول، أمّ أبيها.
و يمكن أن يراد بهذه التكنية معنى أدقّ و أعمق من الأوّل و الثاني و إن كان الأوّل هو الأظهر، و هو: أنّ أمّ كلّ شيء أصله و مجتمعه كما صرّح به أهل اللغة كامّ القوم و أمّ الكتاب و أمّ النجوم و أمّ الطرق و أمّ
[١]- «اللمعة البيضاء» ص ٥٠.