شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٦ - «الشرح»
..........
كلّ واحد منها بالآخر، فتحصل كيفيّة متوسّطة هي المزاج، و بين الأرواح اللّطيفة الّتي لا تحتاج في ذاتها إلى مادّة أصلا، و بين الأبدان الكثيفة بإيجاد الرّبط و الملائمة بينهما و بين القلوب المتعادية كما قال: «وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المعتبر
(مفرّق بين متدانياتها)
(١) «مفرّق» أيضا بالرّفع، و في بعض النسخ بالنصب، يعني هو المفرّق بين المتدانيات و المتناسبات كما فرّق بين كلّ واحد من العناصر و بين جزئه المأخوذ لغرض التركيب مع التناسب بين الجزء و الكلّ في الطبيعة و الكيفيّة و بين الأرواح و الأبدان و بين أجزاء الأبدان بعد تدانيها و تقاربها بالموت و الإفناء و بين قلوب متدانية لأمر مشترك بينهما كما قال «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى» و بين أشياء متدانية بالأجناس و الأنواع و الاشخاص و الحدود و الأقدار و الغرائز و الصفات و الخواصّ و الآثار إلى غير ذلك ممّا يظهر على المتأمّل
(دالّة بتفريقها على مفرّقها و بتأليفها على مؤلّفها)
(٢) دالّة حال من المتدانيات المتفرّقة و المتعاديات المتألّفة يعني دلّت تلك المتدانيات و المتعاديات بسبب التفريق و التأليف الواقعين فيها على وجود مفرّقها و مؤلّفها و صفاته مثل العلم و القدرة و الحكمة [١] و التقدير و التدبير فإنّ تفريق أجزاء العناصر
[١] «مثل العلم و القدرة و الحكمة» لا يقدر الانسان على احصاء ما ضمنه أمزجة المواليد من الحكم و المصالح المختلفة كلما تكثر الوسائل و التجارب و تتبع الموجودات بانحائها و لا بد أن يعترف بعلم من ألف بين متعادياتها و قدرته و حكمته، و أشرنا الى مزاج الدم فى الانسان كيف ركبه الصانع من جزء مائع و حيوانات صغيرة غواصة و قال اصحاب التجربة ان فى بدن الانسان نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من وزنه من الدم و فى كل ميليمتر مكعب منه نحو خمسة ملايين جرثومة حمراء صغيرة و ستة عشر ألف جرثومة بيضاء و كلها غواصة فى مائع يحتوى على قريب من نصفه جسما بخاريا هوائيا و أملاحا و دسومة و غير ذلك كلها لخاصة فيها و مصلحة يترتب على وجودها و علم الخالق أن سلامة بدن الانسان انما تتوقف على وجود تلك العناصر فى الدم بحيث لو زاد على ذلك أو نقص أوجب أمراضا هائلة ففى دم الانسان ثلاثة الى خمسة غرامات من ملح الطعام مثلا و للدم خاصية الترويح بالنسيم فى الرية و دفع الادخنة و هذه الخاصية من المزاج الّذي اختار له الخالق بقدرته و حكمته فلو لم يكن الدم مركبا من عناصره المشخصة بالمقادير المحدودة لم يكن لجراثيمه أخذ النسيم الّذي هو العمدة فى تركيب الروح الحيوانى و يستعمل الاطباء كثيرا تجزية الدم و تميز المواد فيه فى تشخيص الامراض و ما هذا إلا لأن زيادة بعض العناصر او نقصه فيه مضر بصحة البدن فيعرف منه حكمة الخالق فيه و فى كل شيء غيره و مثله. (ش)