شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٩ - «الشرح»
..........
(فقال: «وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ»)
(١) الدّال على كمال الرّبوبيّة و القدرة و التدبير، و المشتمل على عجائب الخلقة و غرائب الصنعة و التقدير
(وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)
(٢) أي ليستدلّ بذلك على كمال الصانع و ليكون من الموقنين، أو و فعلنا ذلك ليكون من الموقنين
(و كيف يحمل حملة العرش اللّه)
(٣) برفع «الحملة على الفاعلية و نصب «اللّه» على المفعوليّة و كيف للإنكار و علل الإنكار بقوله
(و بحياته حييت قلوبهم)
(٤) الواو للحال
(و بنوره)
(٥) أي بهدايته و توفيقه
(اهتدوا إلى معرفته)
(٦) توضيح ذلك أنّه إذا كانت حياتهم و معرفتهم باللّه سبحانه كان اللّه في الأزل بلا حامل بالضرورة لعدم وجود الحامل فيه فيكون في الأبد أيضا كذلك لأنّ كلّ ما كان له أزلا يكون له أبدا، و كلّما لم يكن له أزلا لا يكون له أبدا لاستحالة التغيّر عليه [١] و في نسخة السيّد الدّاماد «و كيف يحمل حملة اللّه»
[١] قوله «لاستحالة التغير عليه» و جملة ما ينبغى أن يقال فى هذا الحديث الشريف ملخصا أن جاثليق لم يكن منظوره السؤال عن عدد الثمانية بل عن أصل الحمل و غرضه الاعتراض على اعتقاد المسلمين بظنه من تجسيم الواجب و حلوله المكان و احتياجه الى الحملة و لذلك أجاب أمير المؤمنين (ع) بتوضيح المقصود من العرش و معنى الحمل. فقال المقصود من العرش العلم و يعبر عن العلم بالنور و وجهه واضح و المقصود من حمل العرش على الحملة اعطاء العلم للعلماء و العلم أربعة أقسام بالتقسيم الجملى أحمر و أخضر و أصفر و أبيض و الالوان مظاهر النور اذ ليس اللون فى الحقيقة الا كيفية حاصلة من الأشعة على ما تبين فى محله، و العلماء الحاملون اما من الملائكة المقربين و أما من علماء البشر المقتبسين علمهم من الملائكة و يشمل كلامه «ع» بإطلاقه جميعهم، و العلماء و ان كانوا كثيرين فانهم لا يخرجون عن أربعة أقسام كما قال ليس يخرج عن هذه الاربعة شيء لان علماء البشر و أمثالهم تبع لما فى عالم الملكوت و عالم الملكوت عالم الغيب لا يراه الا الاصفياء و أراه خليله (ع)، و ما فى ذلك العالم أربعة لا غير و يدل على ان علماء البشر مقصودون بالكلام قوله «ع» فبعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين الى آخره حتى أن الجاهل المعادى أيضا أدرك بسره نورا فعاداه و المنتحلون للاديان المشتبهة و الباطلة أيضا أدركوا نورا فغلطوا و أخطئوا فى تحقيقه لاختلاط الاوهام، نظير الشهوة التى جعلت فى الانسان لغاية صحيحة فانحرفت و صرفت الى ما لا يجوز، و أما توجيه الالوان فقد ذكر فيما مر و لم يجب «ع» عن سر الثمانية فى القيامة لعدم كون سؤال السائل متوجها إليه و سيجيء ان شاء اللّه وجه له.
و بما ذكره أمير المؤمنين «ع» يظهر بطلان تأويل بعض المعتزلة فى العرش و حملته و جعله بمنزلة الكنايات حيث لا يكون كل كلمة من الكناية تعبيرا حقيقيا أو مجازيا عن شيء مثل كثير الرماد و طويل نجاد السيف و كذلك قالوا ليس العرش تعبيرا عن شيء و لا الحملة تعبيرا عن أشخاص يحملون العرش بل الجملة تعبير يعنى به العظمة و قد ذكر صدر المتألهين هنا كلاما جديدا بأن ننقله و ان طال بنا الكلام. قال- (رحمه اللّه)- ثم لا يخفى على اولى النهى و من له تفقه فى الغرض المقصود من الارسال و الانزال ان مسلك الظاهريين الراكنين الى ابقاء صور ألفاظ الكتاب و أوائل مفهوماتها أشبه من طريق المتأولين فى صون عقائد المسلمين المكلفين بالطاعة و الانقياد البدنى لنيل السلامة و النجاة فى النشأتين و ذلك لان ما فهمه الظاهريون من أوائل المفهومات هى قوالب الحقائق التى هى مراد اللّه و مراد رسوله و ليس ما حصل للراسخين فى العلم من أسرار القرآن و أغواره مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له و وصول الى لبابه من قشره و الى روحه من قالبه كما ستعلم من حمل الكرسى على العلم كما حمله أمير المؤمنين (ع)، فهذا هو المراد بعلم التأويل لا ما يناقض الظاهر كما ارتكبه القفال و الزمخشرى و غيرهما من قولهم لا كرسى و لا عرش و لا قعود و لا استواء بل المراد تصوير و تخييل للعظمة و الكبرياء الى آخر ما قال.
فان قيل ان كان الايمان بالظاهر كافيا و هو قالب الحقيقة فما الفائدة فى التأويل قلنا فائدة التأويل دفع سورة استبعاد الناس لكثير مما ورد فى الدين و منع انكار جماعة يرون بعض الظواهر مخالفا للواقع لقد تأول ائمتنا (عليهم السلام) وجه اللّه و عين اللّه و يد اللّه و العرش و الحملة لئلا يوجب تجسيم الواجب بتنفير العقلاء عن الدين و لو لم يكن التأويل مجازا لم يبق فى العالم عاقل متدين قط و كفر العقلاء يوجب تزلزل العوام كما أن ايمانهم يقوى ايمانهم فكم قد ضر بالدين من سد باب التأويل كما ضر به من وسع فى فتح بابه و لا فرق بين الحشوية المجسمة و اهل الظاهر و الباطنية الملاحدة اهل التأويل فى الاضرار بالدين. (ش)