شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٠ - «الشرح»
«الشرح»
(عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير؛ و وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ للّه علمين علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو من ذلك يكون البداء)
(١) [١] أي إيجاد فعل بالتقدير و التدبير و الإرادة الحادثة لحكم و مصالح لا يعلمها إلّا هو
(و علم علّمه ملائكته و رسله و أنبياءه فنحن نعلمه)
(٢) بتعليم نبويّ و
[١] قوله «من ذلك يكون البداء» سبق هذا المعنى فى حديث الفضيل بن يسار عن الباقر «ع» و فى معناه روايات آخر مروية فى البحار و غيره و هو حديث مستفيض مؤيد بالعقل على ما سبق و به يضعف صحة ما روى فى بعض الاخبار من أن بعض الأنبياء أو الائمة (عليهم السلام) اخبروا بشيء على البت فلم يقع كما أخبروا للبداء لانه يرتفع الاعتماد عن أخبار الحجج (عليهم السلام) كما مضى لكن العلامة المجلسى ((رحمه اللّه)) و قبله صدر المتألهين ((قدس سره)) التزما بصحة ذلك و أن الائمة (عليهم السلام) ربما لم يطلعوا الا على لوح المحو و الاثبات و أخبروا بشيء لم يقع على ما أخبروا. قال صدر المتألهين ان القوى المنطبعة الفلكية لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا فى ليلة كذا لاسباب تقتضى ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الّذي سيأتى به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به و كان موته بتلك الاسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء و اذا كانت الاسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجىء أو ان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد فى وقوع ذلك الامر- الى أن قال- فاذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي أو الامام (ع) و قرأ فيها بعض تلك الامور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصيرته او سمع بأذن قلبه. انتهى ما اردنا نقله. و لعل مراده أن الحجة يخبر بما رآه و سمعه لا على سبيل البت و القطع بل على الاحتمال و الترديد ثم نقول اطلاع بعض النفوس و القوى على الغائبات أمر ممكن صحيح سواء قلنا بالفلك و النفوس المنطبعة الفلكية أولا اذ لا ريب فى وجود موجودات مجردة غيبية لهم علم بما سيأتى كما يظهر لنا فى الرؤيا الصادقة و نسميها ملائكة و ان سماه نفوسا فلكية و لا يبعد عدم علم بعضهم بجميع الشرائط كما ذكره ((قدس سره)) و أما اطلاع الائمة (عليهم السلام) و اتصال نفوسهم بتلك النفوس فهو ممكن أيضا لكن لا يشتبه عليهم الامر بأن يظنوه محتوما و يخبروا به على البت. و قال العلامة المجلسى فى البحار: يظهر من بعض الاخبار أن البداء لا يقع فيما يصل علمه الى الأنبياء و الائمة (عليهم السلام) و يظهر من كثير منها وقوع البداء فيما يصل إليهم أيضا و يمكن الجمع بوجوه ثم ذكر الوجوه منها أن المراد بالاولة الوحى و يكون ما يخبرون به من جهة الالهام و اطلاع نفوسهم على الصحف السماوية يعنى يكون ما يخبرون به و يقع فيه البداء مما ألهموا به لا من اللّه من اللوح المحفوظ بل باطلاع نفوسهم على الصحف السماوية، فيكون اخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ و أما ما أمروا بتبليغه فلا يقع فيه البداء و الصحف السماوية التى ذكرها هى القوى المنطبعة الفلكية التى ذكرها صدر المتألهين و يبقى هنا سؤال الفرق بين الوحى و الالهام و جواز الخطاء و التغيير فى الالهام دون الوحى فان كان اخبارهم بخلاف الواقع قادحا فى عصمتهم فلا فرق بينهما، ثم نقول هل الائمة (عليهم السلام) يميزون بين ما ألهموا و بين ما أوحى إليهم مما لا يتغير أولا و بعد التميز هل يعلمون أن ما اطلعوا عليه فى الصحف السماوية ربما لا يكون موافقا للواقع أولا و ان علموا هل يخبرون بما رأوا على سبيل البت أو لا يخبرون الاعلى وجه الاحتمال و لا بدّ للعلامة المجلسى ((رحمه اللّه)) أن يجيب بأنهم يميزون و لا يخبرون فى ما رأوا الاعلى وجه الاحتمال فيرجع جوابه الى الوجه الرابع الّذي نقله عن الشيخ الطوسى ((رحمه اللّه)) و هو ان الحجج (عليهم السلام) لم يخبروا قط بشيء يقع فيه البداء على البت و هو الكلام القاطع لمادة الاشكال و ان توهم متوهم أن نبيا أو وصيا ألقى فى روعه شيء و لم يميز بين كونه محتوما و غير محتوم تطرق نعوذ باللّه الى جميع احكام الشرائع و المبدأ و المعاد احتمال الخطاء برفع العصمة، ثم قال العلامة المجلسى: الثالث ان تكون الاولة يعنى عدم البداء محمولة على الغالب فلا ينافى ما وقع على سبيل الندرة و هو ضعيف جدا اذ تطرق الخطاء الى الوحى و الالهام و لو مرة واحدة يرفع الاعتماد عن قول الأنبياء و لا يجوز الغلو فى تصحيح الروايات بحيث يلزم منه ابطال أصل الشريعة. و قلنا فى حاشية الوافى (الصفحة ١٧٨ من المجلد الثانى): اعتقادنا أن الحجج (عليهم السلام) معصومون يحفظهم اللّه عن الاتصال
بالنفوس الجاهلة و عن أن يغلطوا فيما يوحى البهم و لا يمكن أن يظنوا ما ليس حقا من جانب اللّه وحيا مطابقا للواقع. (ش)