شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٣ - «الشرح»
..........
فلاستحالة حصول الصور و المقادير في ذاته تعالى [١] و لامتناع استفاضتها من الغير فكان صنعه لا كصنع الغير و كان فاعلا من غير مثال على أحد الوجهين، فإذن صنعه محض الا بداع و فعله مجرّد الاختراع على أبعد ما يكون عن حذو مثال، بخلاف صنع المخلوقين تبارك اللّه ربّ العالمين، و إنّما كرّر (عليه السلام) إبداعه و اختراعه تعالى للتأكيد و المبالغة في نفي الافتقار و العجز و الحدوث عنه تعالى و في نفي القدم عن العالم
(و كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم)
(١) أمّا الإنسان فظاهر لأنّه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم، و إنّما خلقت له هذه الآلات البدنيّة ليتصفّح بها صور المحسوسات و معانيها و يتنبّه لمشاركات بينها و مباينات فتحصل له التجربة و سائر العلوم الضروريّة و المكتسبة من المبدأ الفيّاض بلا واسطة معين و مرشد أو بواسطة و على التقديرين فهو من بعد جهل تعلّم من الغير، و أمّا العقول القادسة [٢]
[١] قوله «و المقادير فى ذاته تعالى» و حصول الصورة و المقدار حادث لا بد له من علة لاستحالة ترجح أحد طرفى الوجود و العدم للممكن من غير مرجح ثم حصولهما فى ذاته تعالى محال لوجهين الاول أن محل المقدار لا بد أن يكون جسما ذا طول و عرض و يستحيل حلوله فى المجرد، و الثانى أن وجود هذه الصور و المقادير فى ذاته تعالى ان كانت علته ذات الواجب ثبت خلق هذه الصور بلا مثال سبق و ان كانت غيره تعالى فهو محال اذ ليس غيره الا ممكنا مخلوقا له. (ش)
[٢] قوله «و اما العقول القادسة» العالم فى الممكنات اما انسان و مثله أو ملك و علوم هؤلاء بعد الجهل فعلم ما سوى الواجب بعد الجهل؛ أما الانسان و امثاله فواضح و أما العقول القادسة و هم الملائكة فانهم و ان لم يكن علمهم متأخرا عن الجهل بالتأخر الزمانى لكن كان متأخرا بالتأخر الذاتى لانهم فى مرتبة ذاتهم غير عالمين لكون علومهم زائدة على ذاتهم و انما أخذوا علومهم من الفياض على الاطلاق و يمكن أن يكون بعض من خلق من البشر عالما من غير سبق جهل زمانا نظير العقول و نقول فى تأخر علمهم ما قلنا فى العقول و قد أجبنا بذلك عن سؤال ورد علينا فى علم النبي «ص» و الائمة (عليهم السلام) مضمونه انكم تقولون أنهم (عليهم السلام) كانوا عالمين بكل شيء منذ بدء وجودهم و قد قال اللّه تعالى خطابا للنبى «ص» «مٰا كُنْتَ تَعْلَمُهٰا أَنْتَ وَ لٰا قَوْمُكَ» و قال تعالى «مٰا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتٰابُ وَ لَا الْإِيمٰانُ» فقلت فى الجواب لا يدعى أحد من الشيعة الامامية أن النبي و الائمة (عليهم السلام) كانوا مستغنين عن اللّه تعالى بل ندعى استغناءهم عن الخلق فقط فكان علمهم بتعليم اللّه تعالى اياهم و لم يكن علمهم عين ذاتهم فان هذه صفة خاصة لواجب الوجود و لا ينافى ذلك كونهم عالمين منذ بدء خلقتهم فانه كان علمهم بدء خلقتهم من اللّه تعالى و لو لم يكن تعليمه تعالى اياهم لم يكونوا عالمين بذاتهم كما ان وجودهم من اللّه تعالى و لو لا ايجاده لم يكونوا موجودين بذاتهم فعدم علمهم مقدم على علمهم لان عدم علمهم ذاتى و علمهم مقتبس من العلة و ما بالذات مقدم على ما بالغير و الآيتان لا تدلان على مضى زمان عليه «ص» و هو جاهل الا ان ادعى مدع اختصاص التقدم و التأخر عرفا و لغة بالزمانيين و ليس كذلك بل يطلقان على الذاتيين أيضا اذ لا يختلف أهل العربية فى أن الفاء و ثم تدلان على الترتب و مع ذلك يصح فى اللغة ان يقال تحركت اليد فتحرك المفتاح دون العكس مع كون الحركتين معا زمانا و تأخر حركة المفتاح عن حركة اليد ليس بالزمان بل بالذات فثبت أن أهل العرف و اللغة يعرفون معنى التأخر الذاتى و يستعملونه فى كلامهم و لا يجب حمل جميع ما ورد فى الكتاب و السنة من الترتب و التأخر على الزمانى و لا يصح دعوى من يدعى اختصاص التأخر الذاتى بأصحاب العلوم النظرية و أنه شيء لا يعرفه اهل اللغة و العرف فقوله تعالى مٰا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتٰابُ وَ لَا الْإِيمٰانُ اى ما كنت تعرفها بنفسك بل هو شيء عرفته بتعليم اللّه تعالى اياك منذ أول خلقتك. (ش)