شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١١ - (باب البداء )
(باب البداء [١])
(١) البداء بالفتح و المدّ في اللّغة ظهور الشيء بعد الخفاء و حصول العلم به بعد الجهل و اتّفقت الامّة على امتناع ذلك على اللّه سبحانه إلّا من لا يعتدّ به و من افترى ذلك على الإماميّة فقد افترى كذبا عظيما و الإماميّة منه براء [٢] و في العرف على
[١] قوله «باب البداء» قوام معنى البداء بتغير العزم، فاذا عزم رجل على فعل شيء ثم تبين له عدم المصلحة فيه و ندم على عزمه و تغير قصده قيل: بدا له أى ندم و علم أن عزمه السابق كان خطاء و هذا معنى محال على اللّه تعالى باتفاق الامة لاستلزامه الجهل على اللّه تعالى و حدوث علمه بالمفسدة فى فعل بدا له فيه، و ربما تمحل بعض و قال: انا لا نقول بالجهل و الندامة بل اللّه تعالى قضى حكما يعلم أنه يغيره بسبب حادث مثلا يحكم اللّه تعالى بقصر عمر زيد مع أنه يعلم أنه يتصدق و يصل الرحم فيستحق طول العمر و يغير الحكم الاول و يطيل عمره و هذا معنى لا يناسب سائر أقوال الشيعة لانّ فيه تناقضا صريحا مثل أن يقال عزم زيد على اقامة عشرة أيام فى بلد مع أنه يعلم أنه لا يقيم به أكثر من ثلاثة أيام و كيف يحكم اللّه تعالى بقصر عمر رجل يعلم أنه يطيل عمره؟ فان قيل لا تناقض فى حكمين مختلفين موقوفين على شرطين مختلفين فيحكم بقصر عمره ان لم يصل الرحم و لم يتصدق و بطوله ان وصله و تصدق فيرفع التناقض باختلاف الشرط. قلنا لا يطلق الإرادة و المشية و القضاء و القدر و امثالها الاعلى الطرف المثبت الّذي حصل شرطه الّذي حكم الشارع بوقوعه و لا يطلق على ما يعلم تعالى انه لا يقع قط فلا يقال قضى اللّه تعالى بظلمة النهار و ضياء الليل على فرض كون الشمس طالعة ليلا و آفلة نهارا و كذلك لا يقال قضى اللّه بكون الحمار ناطقا اى ان صار انسانا و كون النار باردة اى ان صارت ماء و كون عمر زيد قصيرا ان لم يصل الرحم مع علمه تعالى بكون عمره طويلا لصلة الرحم. و قد أولو ما ورد من لفظ البداء تاويلا لا يستلزم المحال.
[٢] قوله «و الامامية منه براء» صرح بذلك لان مخالفينا نسبوا إلينا القول بالبداء و يعيبون به على مذهبنا حتى أن الفخر الرازى نقل فى آخر كتابه المسمى بالمحصل عن سليمان بن جرير الزيدى كلاما لا يتفوه به مسلم قال أن ائمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم لا يظفر معهما أحد عليهم: الاول القول بالبداء فاذا قالوا انه سيكون لهم قوة و شوكة ثم لا يكون الامر على ما أخبروه قالوا بد اللّه تعالى فيه ثم نقل اشعارا عن زرارة و قال: الثاني التقية فكلما أرادوا شيئا يتكلمون به فاذا قيل لهم هذا خطاء و ظهر بطلانه قالوا انما قلناه تقية انتهى و قال المحقق الطوسى (ره) انهم يعنى الشيعة لا يقولون بالبداء و انما القول بالبداء ما كان الا فى رواية رووها عن جعفر الصادق (ع) انه جعل اسماعيل القائم مقامه فظهر من اسماعيل ما لم يرتضه منه فجعل القائم موسى فسئل عن ذلك فقال بدا للّه فى أمر اسماعيل و هذه رواية و عندهم أن الخبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا انتهى. يعنى ليس خبر الواحد حجة فى اصول الدين اذ لا يوجب العلم و لا فى فروع الدين لانه لا يقوم به الحجة و لا يوجب العمل. و اما العلامة المجلسى فقد نقل بعض ما سبق من كلام الفخر الرازى. ثم قال: و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسى ((رحمه اللّه)) فى نقد المحصل عن ذلك لعدم احاطته كثيرا بالاخبار بأنهم لا يقولون بالبداء و انما القول به ما كان الا فى رواية. و أقول: ليس انكار البداء خاصا بالمحقق الطوسى ((قدس سره)) بل كل من وجدنا له قولا ممن يعتبر قوله من العلماء و اطلعنا على رأيه فى الآراء وافق المحقق الطوسى فى نفى البداء و تبرئة الامامية عن القول به منهم السيد المرتضى ((رحمه اللّه)) فى الذريعة و شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسى فى العدة و التبيان و حبر الامة و أعلم علمائها بعد المعصومين (عليهم السلام) الشيخ العلامة الحسن بن يوسف بن مطهر الحلى فانه قال فى نهاية الاصول فى البحث الرابع من الفصل الاول من المقصد الثامن النسخ جائز على اللّه تعالى لان حكمه تابع للمصالح ...
و البداء لا يجوز عليه تعالى ... لانه دل على الجهل أو على فعل القبيح و هما محالان فى حقه انتهى. و نظير ذلك فى تفسير مجمع البيان كثير و فى تفسير أبى الفتوح الرازى نسبة نفى البداء الى مذهبنا فى مواضع كثيرة منها فى الصفحة ٤ و ٢٨٦ من المجلد الاول ط ١٣٨٣ و قال السيد عميد الدين فى شرح التهذيب فى باب عدم جواز نسخ الحكم قبل وقت التمكن من الفعل بانه لو جاز ذلك لزم البداء أعنى ظهور حال الشيء بعد خفائه على اللّه تعالى و التالى باطل فالمقدم مثله- الى آخر ما قال، و لو لم يكن خوف الاطالة لنقلنا شيئا كثيرا من كلام علمائنا السابقين و لا أظن أحدا من الامامية يلتزم بالبداء من غير تاويل حتى ان العلامة المجلسى (ره) أوجب ظاهرا التلفظ به تأدبا لا الاعتقاد بمعناه تعبدا لانه أيضا أوله تأويلا. فان قيل فما تقول فيما ورد فى أخباركم من لفظ البداء. قلنا كلامنا فى اطلاق هذا اللفظ على اللّه تعالى نظير كلامنا فى اطلاق الغضب و الرضا و الاسف كما قال «فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا» و النسيان فى قوله نَسُوا اللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ و قوله كَذٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسىٰ و أمثال ذلك يجب تأويله بما يوافق المذهب و العقل و الجامع لجميع ذلك أنه تعالى يعامل معاملة الراضى و الغاضب و الناسى و المحزون و النادم على ما فعل، لا أنه تعالى متصف بهذه الصفات واقعا. و قد أطالوا الكلام فى تأويل البداء و نكتفى هنا بما قاله صدر المتألهين ((قدس سره)) و مرجعه الى نسبة البداء الى بعض مخلوقاته تعالى من الملائكة و النفوس الكلية و هو غير بعيد كما مر نظيره فى خبر حمزة بن بزيع فى الباب السابق فى تأويل قوله تعالى فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا قال الصادق (ع): «ان اللّه تعالى لا يأسف كأسفنا و لكنه خلق اولياء لنفسه مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه و سخطهم سخط نفسه- الى ان قال- هكذا الرضا و الغضب و غيرهما مما يشاكل ذلك» و مبنى كلام الصدر على ان بعض الملائكة و هم العقول القادسة يعلمون بتعليم اللّه ما سيقع على ما هو عليه و بعضهم كالنفوس يعلمون الاسباب المؤدية الى شيء من غير أن يطلعوا على ما يتفق مما نعته لها فيظهر ما يقع على خلاف ما علموا كمن يعلم أن الزرع بعد نموه و بدو صلاحه يحصل منه مقدار من الطعام و لا يعلم السيل او النار او الدابة او الجند يفسدون الزرع، و مثله حديث آخر مضى آنفا عن زرارة عن أبى جعفر «ع» «ان اللّه أعظم و أجل و أعز و أمنع من أن يظلم و لكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه» و سنذكر تأويلات آخر- ذكرها علماؤنا- فى تضاعيف الشرح (ش)