شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٠ - «الشرح»
..........
فإنّ ما أصاب غيرهم فلأسباب اخر منها تعويضه للأجر العظيم بالصبر عليه انتهى و لك أن تريد بالنفس و اليد الجنس و تقول قد يصيب المصيبة بريئا بفعل غيره كما دلّ عليه بعض الآيات و الرّوايات و أن تريد بهما نفس المصاب و يده و تجعل المكسوب الجالب للمصيبة شاملا لخلاف الأولى أيضا و تقول غير المجرم لا يخلو منه كما اشتهر حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، و من هاهنا أصاب آدم (عليه السلام) ما أصابه و فيه دلالة واضحة على أنّ العبد ليس مجبورا على المعصية و أنّ أفعاله مستندة إليه لا إليه سبحانه كما زعمت الأشاعرة
(و ذاك)
(١) المذكور و هو كون «مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) سببا للحكم عليه بأنّه من اللّه و كون «مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ» سببا للحكم عليه بأنّه من نفسك لأجل
(أنّي أولى بحسناتك منك)
(٢) لصدورها عنك بقوّتي الّتي أودعتها فيك اختيارا و امتحانا و توفيقي و لطفي بك تفضّلا و إحسانا حتّى لو صرفت وجه التوفيق و اللّطف عنك، و وكلتك إلى نفسك كنت من الشرّ أقرب و من الخير أبعد (و أنت أولى بسيّئاتك منّي)
(٣) لصدورها عنك على وفق عنايتك و إرادتك و مقتضى مشيّتك و قدرتك و في لفظة أولى و إضافة الحسنات و السيّئات إلى المخاطب إشعار بأنّ الحسنات و السيّئات كلّها مكسوبة للعبد إلّا أنّ فعل الحسنات لمّا كان بالتوفيق و اللّطف الخارجين عن الامور المعتبرة في أصل التكليف كان إسناده إليه تعالى أولى بهذا الاعتبار كإسناد الرّمي إليه تعالى في قوله «وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ» و فعل السيّئات لمّا كان عن مجرّد القوّة الّتي هي مناط التكليف مع شوق النفس إليه من غير إعانة من اللّه تعالى عليه كان إسناده إلى الفاعل الحقيقي أولى من إسناده إلى الفاعل بواسطة
(و ذلك)
(٤) إشارة إلى الأمر المفهوم من سياق الكلام و هو الإقدار على الطاعة و المعصية و إحداث اللّطف و التوفيق لبعض دائما و لبعض في وقت دون وقت
(إنّني لا اسأل عمّا أفعل)
(٥) [١] لكمال الجلالة و العظمة و الجبروت مع اشتمال ذلك الفعل على الحكم
[١] قوله «اننى لا أسأل عما أفعل» كان مبدأ أكثر الشبهات وسوسة الواهمة فى مصالح كثير من الامور و حكمها لعدم تبينها و غموضها و كان جواب الجميع أنه تعالى عالم بجميع الاشياء حكيم «لٰا يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» عقب مسئلة التكليف و صدور الحسنات و السيئات من الناس بهذا الكلام لدفع تلك الشبهات منها أنه تعالى لم خلق الكافر اذا علم انه يكفر و لا ينتفع بالوجود؟ و كان الاصلح و الارجح أن لا يخلقه أصلا لان غاية الخلق ايصال النفع، و الشبهة الثانية أنه لا فائدة فى التكليف مطلقا اذ كان خلق الانسان و جميع ذوى العقول فى الجنة و التذاذهم بالنعيم من غير تكليف ممكنا له تعالى و نقل عن ابليس سبع شبهات فى معناها الاولى و الثانية ما ذكر و الثالثة انه لم يكن فائدة فى خصوص السجود لآدم اذا علم اللّه تعالى انى اعصى و لا اطيعه مع انى كنت اعبده و اطيعه فى غيره من التكاليف و لم يكن هذا التكليف الا اضرارا بى و الرابعة انى تركت السجود لآدم و لم يكن قبيحا اذ لا ينبغى و لا يحسن السجود الا للّه تعالى فلم أمرنى بعمل غير حسن و لعننى على تركه الخامسة و السادسة لم يكن فى تسليطى على آدم أولا و ذريته بعده حكمة و مصلحة بل كان اضرارا لآدم و كان الاصلح منعى من الدخول و الوسوسة لآدم ثم لذريته بعده. السابعة كان قادرا على حسم مادة الفساد و الحكم بموتى و قضاء عمرى حتى لا أتسلط على ذرية آدم الى يوم القيامة و مثل هذه الشبهات تختلج ببال الناس كثيرا بل ان تتبعت و سبرت وجدت الملاحدة و الزنادقة لم يضلوا الا لتشبثهم بهذه الشبهات و الجواب الحق اجمالا ما اشير إليه فى هذا الحديث و هو أن الانسان لا يمكن أن يدعى الاحاطة بمصالح جميع الامور و حكمها و بعد الاعتراف بجهله و نقصه لم يصعب عليه الخروج من هذه المزلات خصوصا اذا اعترف بأن فعل اللّه تعالى لا يقاس على فعل الانسان و أصل الاشتباه أن الانسان العامى يتصور واجب الوجود كانسان قوى صاحب الملكات الفاضلة و أفعال جزافية و الملحد ينكر وجود هذا الّذي يتصور العوام لانه يرى أفعاله لا يشبه أفعال الانسان و فائدة اصرار الائمة عليهم- السلام فى نفى التشبيه دفع هذه الاوهام و جميع الشبهات السبع مبنية على تشبيه آله العالم بالانسان فى فعله و ذاته. (ش)