شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٠ - «الشرح»
..........
قال عياض: لم يختلف المسلمون إلّا شرذمة قليلون في تأويل ما يوهم أنّه تعالى في مكان أو في جهة مثل قوله تعالى أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمٰاءِ و قوله تعالى الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ فمنهم من أوّل في بعلى و جعل على للاستيلاء، و منهم من توقّف في التأويل و فوّض أمره إلى اللّه، و الوقف في التأويل غير شك بالوجود و لا جهل بالموجود، فلا يقدح بالتوحيد بل هو حقيقته و التمسّك بالآية على التنزيه الكلّي و هي قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ عصمة لمن وفّقه اللّه تعالى للرّشاد و الهداية.
[الحديث السابع]
«الأصل»
٧- «و بهذا الاستاد؛ عن سهل، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن مارد» «أنّ أبا عبد اللّه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ» فقال:» «استوى من كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء».
«الشرح»
(و بهذا الإسناد عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن مارد أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ «الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ» فقال: استوى من كلّ شيء [١] فليس شيء أقرب إليه من شيء)
[١] قوله «استوى من كل شيء» قال فى الحديث السابق «استولى على كل شيء» و فى هذا الحديث «استوى من كل شيء» و فى الحديث التالى «استوى فى كل شيء» و كل هذه الثلاثة مشتركة فى كلمة كل شيء و الغرض عدم تخصيص استوائه بجسم خاص يسمى بالعرش بل كل نسبة له الى العرش فهى ثابتة بالنسبة الى جميع الاشياء و اما الفرق بين «فى و على و من» فغير مقصود بالبيان و لعل الامام (ع) اتى باحدها و نقل الرواة بثلاثة عبارات و ليس غرضه (ع) استفادة هذا المعنى من لفظ الاستواء او من لفظ العرش بل بيان المراد للادلة الكثيرة على عدم تحيزه فى مكان، و اما الاستواء فقيل جاء هذه الكلمة بمعنى الركوب قال تعالى «لِتَسْتَوُوا عَلىٰ ظُهُورِهِ» و قال «فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ» و قال تعالى: «وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ» و جاء بمعنى الاعتدال و تمام الخلقة قال تعالى «وَ لَمّٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوىٰ» و جاء بمعنى ضد الاعوجاج و كانه هو المعنى الحقيقى الاصلى قال الشاعر:
طال على رسم مهدد ابده * * * ثم عفا و استوى به بلده
و ساير اشتقاقات الكلمة يتضمن هذا المعنى كالسى و المساوى و التسوية و السوى و غير ذلك. و جاء استوى بمعنى القصد و الاقبال قال الجوهرى استوى الى السماء اى قصد. قال الفراء تقول كان فلان مقبلا على فلانة ثم استوى على و الى يشاتمنى، و جاء بمعنى استولى قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق * * * من غير سيف و دم مهراق
يذكر بشر بن مروان اخا عبد الملك لما قتل مصعب و ولى العراق لاخيه بشر و قال النابغة
الا لمثلك او من انت سابقه * * * سبق الجواد اذا استولى على الامد
و ظن بعضهم ان العرش بمعنى كل شيء و لذلك فسر الامام (ع) استوى على العرش بقوله استوى على كل شيء فان اريد انه المراد لان الاستيلاء على العرش يستلزم الاستيلاء على كل شيء غيره فله وجه و ان اريد انه المعنى المستعمل فيه اللفظ فهو غير صحيح و لا يدل كلام الامام (ع) عليه، و بالجملة اذا كان الاستواء مستعملا فى معان كثيرة و لو مجازا فى بعضها لم يصح تمسك المجسمة به على غرضهم و نقول كما مر سابقا انهم ماديون لا يعترفون بوجود شيء غير جسمانى و لا فرق بينهم و بين الملاحدة فى ذلك اصلا، و يذهب ذهنهم من كل لفظ الى المعنى الجسمانى لا للتبادر اللغوى حتى يحتجوا به بل لان غير الجسم لم يدخل فى ذهنهم قط حتى ينصرف إليه، و مثل هذا التبادر ليس بحجة مثل تبادر الذهن من كلمة الياقوت الى الاحمر اذا لم ير السامع ياقوتا اصفر او ابيض و الماديون اما ينكرون الواجب اصلا او يقولون بجسميته و تحيزه و كذلك مذهبهم فى الروح فالملاحدة منهم ينكرون وجود شيء غير القوى الجسمانية مسمى بالروح و المنتسبون للدين يجعلون الروح جسما مداخلا للبدن كالماء المتخلل فى الورد و لازم قولهم ان لا يموت احد اذا سد مسام بدنه و فى الملائكة أيضا اما ينكرون وجودهم او يجعلونهم اجساما مادية و غير ذلك مما لا يحصى و قد جاء فى القرآن العظيم فى مفتتح سورة البقرة اشتراط التقوى بالايمان بالغيب اذ بدونه يتحير عقول الناس فى مسائل المعارف البتة و الايمان بالغيب هو التصديق بوجود الشيء غير المحسوس. (ش)