شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٩ - «الشرح»
..........
كما دلّ عليه قوله تعالى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ و ذلك لأنّه تعالى وهب كلّ نفس قسطا من معرفته و فطرها على استعداد قبول كمال إلهيّته حتّى نفوس الجاحدين له فإنّها أيضا اعترفت بربوبيّته لشهادة أعلام الوجود و آيات الصنع بصدورها عنه حتّى حكم صريح بديهتها إذا لم ينخدع من الوهم بالحاجة إلى ربّ صانع حكيم
(الدّالّ على وجوده بخلقه)
(١) إشارة إلى طريق الطبيعيين و هو الاستدلال بالنظر في المخلوقات و طبائعها و إمكانها و تكوّنها و حدوثها و قبولها للتغيّر و الانتقال و التركيب و التحليل على وجود المبدأ الأوّل، و إلى هذا الطريق أشار خليل الرّحمن كما هو المذكور في القرآن، و المتكلّمون فرّعوا هذا الطريق إلى أربع طرق لأنّ بعضهم استدلّوا بحدوث هذه الذّوات على إمكانها [١] و بإمكانها على حاجتها إلى موجد مؤثّر، و بعضهم استدلّوا بحدوث هذه الذّوات فقط من غير نظر إلى الإمكان فقالوا: الأجسام محدثة و كلّ محدث فله محدث و المقدّمة الأولى استدلاليّة [٢] و الثانيّة بديهيّة، و بعضهم استدلّوا بحدوث الصفات
[١] قوله «بحدوث هذه الذوات على امكانها» و الفرق بين الاول و الثانى توسيط الامكان و الغرض منه أن الحدوث لا يمكن أن يكون علة للحاجة كما مر، نعم يمكن أن يكون دليلا على الامكان اذ لو كان واجبا كان قديما لكنه ليس قديما فليس واجبا. (ش).
[٢] قوله «و المقدمة الاولى استدلالية» اذ ليس حدوث الاجسام بديهيا، و استدلوا عليه بأن الجسم لا يخلوا عن الحوادث و ما لا يخلو عن الحوادث حادث فالجسم حادث، اما أن الجسم لا يخلو عن الحوادث فلانه اما أن يكون ساكنا أو متحركا و السكون هو الكون في الآن الثانى في المكان الاول و الحركة كونه في الآن الثانى في المكان الثانى و الكون الثانى حادث لا محالة اما أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث فلان عدد تلك الحوادث لا يمكن أن يكون غير متناه ببرهان التطبيق و قد مر تقريره في المجلد الثالث.
فان ناقش أحد في استحالة عدم تناهى الاكوان بان عدد الاكوان بين المبدأ و المنتهى فى الحركة غير متناه أيضا لان المسافة التى يتحرك فيها الجسم و الزمان ينقسمان الى غير النهاية لبطلان الجزء الّذي لا يتجزى و لو فرض أن أكوان هذا الجسم في كل نقطة من نقاط المسافة امور بالفعل لها عدد حقيقة لزم كون غير المتناهى محصورا بين حاصرين و هو افحش من التسلسل و ان فرض أن كثرة الاكوان بالقوة نظير تقسيم الجسم و المقادير الى غير النهاية بالقوة لبطلان الجزء الّذي لا يتجزى فليس عدم التناهى بالقوة باطلا، قلنا في جواب المناقشة يكفينا في الزام الملاحدة و تبكيتهم الحوادث المتباينة المتفاصلة التى لها كثرة بالفعل و عدد بالحقيقة فانهم معترفون بعدم تناهى تلك الحوادث أيضا مثل عدد الايام و الليالى و توليد المواليد من النبات و الحيوان و لا نحتاج الى التمسك بالكثير بالقوة كاكوان الحركة و السكون فان ناقشوا في تلك الحوادث المتفاصلة أيضا بأن عدم التناهى انما يبطل فيما يجتمع في الوجود لا في المتعاقبات أو أنكروا عدم تناهيها أصلا، اجبنا بانا لا نحتاج أيضا الى البحث فيه بل نقول الجسم مركب من المادة و الصورة و محال أن يوجد المادة بغير صورة فهى محتاجة الى الصورة البتة و الصورة اما جسمية بمعنى الاتصال و تتغير بالافتراق الى صورتين أو أكثر و اما صورة نوعية كالنارية و المائية و الحديدية و النحاسية و الحيوانية و النباتية و لا ريب أن تغيرها بالاستحالة فمادة الجسم لا تخلو عن قبول الحوادث التى هى صورها و عدم خلوها عنها بمعنى احتياجها إليها و ما لا يخلو عن الحوادث محتاجا إليها مخلوق و كل مخلوق حادث فاحتاج الى محدث واجب و تبين بذلك كلام أمير- المؤمنين (ع) «الدال على وجوده بخلقه» و ليس غرضنا الا تفسير كلامه و هذا يكفينا في هذا الغرض. (ش)