شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٣ - «الشرح»
..........
(١) لأنّهم واقفون على سواء سبيل الحقّ و مزالّ الأقدام فوجب على السالك اقتفاء آثارهم و الرّجوع إلى أشعّة أنوارهم لينتهي سيره إلى اللّه
(و بابه الّذي يدلّ عليه)
(٢) المراد بالباب باب علمه الّذي يدلّ سبحانه على ذلك الباب بقوله «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا» أو يدلّ بذلك الباب عليه سبحانه فإنّ العلم هو الدّليل على اللّه و على الخشية منه و الانقياد له كما قال سبحانه إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ و فيه إشارة إلى قوله (صلى اللّه عليه و آله) «أنا مدينة العلم و عليّ بابها» أو المراد به باب جنّته و لفظ الباب على التقديرين مستعار و وجه المشابهة أنّ من أراد أن يكتسب علما و يدخل الجنّة وجب أن يأتيهم أوّلا كما أنّ من أراد أن يدخل بيتا وجب أن يأتي بابها أوّلا
(و خزّانه في سمائه و أرضه)
(٣) أي جعلنا فيما بين أهل سمائه و أهل أرضه خزّان علمه و أسرار غيبه المشار إليها بقوله «عٰالِمُ الْغَيْبِ فَلٰا يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ» أو خزّان جنّته على معنى أن من جاء يوم القيمة بولايتنا دخل الجنّة و إلّا فلا، أو خزّان أمره على الإطلاق و لفظ الخزّان على التقادير استعارة و وجه المشابهة تصرّفهم بمنع العلم و إعطائه أو بمنع الجنّة و إعطائها أو بمنع نزول المنافع من السماء و خروج الكامنات من الأرض و الاذن بهما مثلا كما أنّ شأن الخازن للشيء كذلك
(بنا أثمرت الأشجار)
(٤) أي بوجودنا و بركتنا أو بأمرنا صارت الأشجار مثمرة أمّا الأوّل فلأنّ وجودهم سبب لبقاء نظام العالم فلو لم يكن وجودهم لم يكن عالم و لا نظام و لا أشجار و لا أثمار، و أمّا الثاني فلأنّهم المدبّرون في هذا العالم بإذن ربّهم [١]
(و أينعت الثمار و جرت الأنهار)
(٥) ينع الثمر بتقديم الياء على النون و أينع إذا أدرك و نضج، و الينيع و اليانع مثل النضيج و الناضج لفظا
[١] قوله «فلانهم المدبرون في هذا العالم باذن ربهم» يعنى لا على جهة التفويض اذ لا مؤثر في الوجود الا اللّه تعالى و كلما يرى من تأثير غيره سواء كان روحانيا أو جسمانيا فانما هو باذن الرب تعالى لان وجود كل موجود معلق بالواجب تعالى فكيف بفعله و مثاله المرآة ينعكس منها نور الشمس على الجدران لا ينسب الانارة الى المرآة و انما هى للشمس و المرآة واسطة و نسبة انماء الاشجار و ايناع الثمار و اجراء الانهار الى وجود الائمة (عليهم السلام) في هذا الحديث و غيره ليس غلوا و تفويضا بل يتبرأ الشيعة من الغلو و التفويض كما يتبرأ من النصب. و قد اخترع جهلة أهل الحديث من متأخرى العامة مذهبا في التوحيد مبنيا على نفى تأثير شيء في شيء لا باذن اللّه و لا بغير اذن اللّه و هو مذهب مادى محض و دهرى صرف و قال مؤسس طريقتهم من الشرك لبس الحلقة و الخيط و نحوهما لدفع البلاء و قال من علق تميمة فقد اشرك و قال من الشرك النذر لغير اللّه و الاستعاذة بغير اللّه، و قال في رسول اللّه نزل «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» و انه لا يغنى شيئا عن أقاربه. و قال الغلو في الصالحين سبب الكفر، و عدوا من الغلو اكرام قبورهم و عبادة اللّه تعالى عندها. و قال من الشرك الطيرة و الفال و العدوى و التنجيم و حب غير اللّه، و من الشرك إرادة الانسان بعمله الدنيا و جحد الاسماء و الصفات و اسناد النعم و أسبابها الى غير اللّه تعالى- الى غير ذلك مما يدل على سخافة عقل قائله و عدم تدبره اذ لا ينكر هو تأثير النار فى الحرارة و السراج فى الانارة و العدوى في كثير من الامراض و البرد في هلاك النبات و الحيوان و الدواء فى علاج المرضى فان كان نسبة التأثير بالتسبيب و الاعداد الى جميع ذلك كفرا و شركا لم يبق على التوحيد دليل و لا للموحدين حجة بل ثبت قول الكفار و لم يكن للمؤمنين سبيل الى ردهم و الاحتجاج عليهم، و ان كان هذه الاسباب مؤثرة باذن اللّه و أمره كما مثلنا من مثال المرآة و نور الشمس و لم يكن ذلك شركا لم يجز الفرق بين تأثير الشمس فى انماء الاشجار و ايناع الثمار بإرادة اللّه و بين تأثير أرواح الائمة (عليهم السلام) باذن ربهم الا أن يكون رجل ماديا دهريا يتعقل تأثير القوى الجسمانية كالنور و الحرارة و الدواء و لا يتعقل تأثير القوى الروحانية كهمة الاولياء و تأثير الادعية و التمائم فيستبشع الثانى و ينسبه الى الشرك و لا يستبشع الاول و لا يشعر بأنه في الباطن مادى و هذا التوحيد المخترع متولد من المادية و الا فأى فرق بين نسبة علاج المرضى الى الدواء أو الى التمائم و كلاهما باذن اللّه لا محالة لكن الانسان قد يندفع الى اتخاذ رأى أو العمل بشيء من غير أن يعلم داعيه النفسانى من شهوة أو حب أو بغض او غير ذلك. و ان قيل لعل التمسك ببعض التمائم و الفال و التطير من الخرافات التى لم تقم عليها دليل و لذلك أنكرها قلنا التمسك بالخرافة شيء و الشرك شيء آخر و بينهما بون بعيد. و ان قيل لعل التوسل بمثل الدواء و الغذاء و الوسائل المادية لا يوجب الشرك دون التوسل بالاسباب الروحانية، قلنا: نطلب بيان الفرق لان الشرك لا يفرق فيه بين أن يجعل جسم شريكا للّه تعالى أو موجودا روحانيا بل الاول أفحش فان كان التوسل شركا كان شراء الخبز و اللحم و اللباس أيضا شركا لانه توسل بسبب لغرض حصول الشبع و بقاء السلامة و لا يجوز أن يطلب السلامة الا من اللّه تعالى. و قد روى أن مروان بن الحكم طريد رسول اللّه (ص) رأى أبا أيوب الانصارى مكبا على القبر الشريف يتبرك بترابه و يقبله فهاج حقده القديم على الرسول و على الانصار و لم يستطع أن يرى تعظيم الرسول (ص) بعد موته و أخذ بقفا أبى أيوب و رفعه و قال هل تعرف ما تفعل انما هذا شرك و عبادة لغير اللّه تعالى فنظر إليه أبو أيوب و قال ما لك و الدخول في هذه الامور التى نحن أعلم بها منك فبسيوفنا أسلم قومك و كانوا مشركين و نحن علمناكم الحق و عبادة اللّه تعالى. (ش)