موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٧٤
ثُمّ رجعنا - بعد ذلك كلّه - إلى مفتاح شخصيّة «أبي هريرة» الذي حدّثناك عنه من قبل والذي نستطيع أن تفتح به كلّ مغلق من نزعاته النفسيّة، لعلّنا نصل إلى معرفة سبب إقصائه عن المدينة.
فإنّا بذلك كلّه يمكننا أن نردّ هذا السبب - ونحن مطمئنّون - إلى ما بدا من شرهه للطعام، وإيغاله في التطفّل على الناس بغير وازع من أدب، ولا رادع من عفّة، وأنّه لإشباع نهمه كان يقتحم كلّ سبيل ويركب كلّ صعب.
وما ظنّك برجل يتصدّى للصحابة في طرقهم أنّى ساروا، ملحّاً عليهم أن يطعموه، ويلاحقهم في سبيلهم حتّى تضيق منه صدورهم، فيضجرون منه، ويزرون عنه ويفرّون!
ولم يقف الأمر عند ضجر كبار الصحابة ونفورهم، بل كان يذهب إلى مكان عزيز من النبيّ «بين منبره وحجرة عائشة» فيتماوت ويمثّل مشهداً تشمئزّ منه النفوس الأبيّة، وتنفر منه الطباع الكريمة.
وهذا المشهد كان لا يفتأ يأتيه في هذا المكان العزيز من النبيّ - إنّما كان ولا جرم ممّا يؤذي النبيّ، ويبعث في نفسه الأسى - أن يكون بين من ينتمون إليه، ويُحسبون عليه، من يبدو أمام الناس كلّ يوم في هذه الصورة المزرية المشينة!
وما نذكره هنا ليس من عندنا، ولا نفتري عليه به، وإنّما هو أمر ثابت لا ريب فيه، وذلك باعتراف أبي هريرة نفسه، فقد روى البخاري عنه هذا الحديث: «لقد رأيتني وإنّي لأخرّ فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيّاً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أنّي مجنون! وما بي من جنون، ما بي إلاّ الجوع»[١].
ولا ريب في أنّهم ما كانوا ليفعلو ذلك معه إلاّ استهانة به، وازدراء له، إذ لو
[١] صحيح البخاري ٨: ١٥٢.