موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٠٥
وكذا هي حالك مع الكاتبين..
فكم تشوّقت لأن يأخذوك إلى بطون الحقيقة، فتقضي مع بعضهم الشوط الطويل وهو يُدحرج بين يديك كرةً سوداء صمّاء على مسار ملتو، وأنت تتبعها لا تدري إلى أين، ولا متى سيشقّ لك عن تلك القشرة الصمّاء فيُريك ما تُخفيه!
وتمضي جاهداً تنتظر نهاية المطاف فلا تشعر إلاّ وقد ارتطمت تلك الكرة السوداء بجدار صلب سميك، فارتطمت أنت معها، أو رجعت القهقرى مُنهك القوى متعب الأعصاب، تتقطّر وجنتاك بالسخط واليأس والقنوط!
سطحيّون ما زلنا نتلهّى بالقُشور!
فكم تمنّيتُ مثلك أن أجني ثمار وقت ثمين أنفقتّه مع هذا وذاك فيذهب سدىً على دوائر مفرغة وحافّات ضياع، فأعود أرقاً متعب العينين، فأُعزّي نفسي بأمواج تُدافع السواحل مذ خلق الله أرضنا، وهذا ديدنُها حتّى تُبدلّ الأرض غير الأرض، لا تكلّ ولا تملّ! ثمّ اُحلّق بخيالي إلى عظماء بنو لبني الإنسان مجداً وحضارةً وتراثاً لا ينضبّ معينُهُ، فيتّسع الأملُ في عيني من جديد.
قرأتُ التاريخ فوجدتُه منكوساً على رأسه في أكثر فصوله، ولسبب بسيط، هو أنّ ما كُتب إنّما كُتب تحت رايات السلطان على مرّ الزمان، فما أزعج منه السلطان ضاع واندرس فلا تجد له أثراً إلاّ في فهارس المؤلّفات، وإن نجا منه شيء تصدّى له الأقوياء بالسلطان على الدوام بسهام الطعن والتكذيب، فمن هنا تفجّرت بين جنبيّ عزمةُ ثائر على أن أُساهم في إخراج الصورة الحقّة لأوّل أُسٍّ في هذا البناء التاريخيّ الشامخ، ذاك أملٌ سأفرغ له بإذن الله..
أمّا هنا في هذا الكتاب فقد قرأتُ رجلاً في عقيدة، وعقيدةً في رجل.. هو ابن تيميّة.
قرأت شيئاً ممّا كتبوه فيه وفي عقيدته فلم أجد غير تلك الكرة السوداء يدحرجونها أمامي هنا وهناك.. فألقيتُها جانباً وتناولت ما بلغته يدي ممّا كتبه