موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٣ - (٩) أحمد دحّام الدليمي (سنّي / العراق)
الرؤوس خاصّة، وهذا الكلام قد استهجنه علماء أهل السنّة أنفسهم، وجعلوه خارجاً عن نظم الإعراب وبلاغة القول وفصاحة الكلام، فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه فإنّ العطف على الجوار لو سلّم فهو إنّما يمكن ويتمّ للضرورة الشعريّة أو للنثر، فيقتصر على هذا المقدار.
أمّا في أمثال المقام حيث يكون العطف فيه عطف النسق فلا يمكن قبوله بوجه[١]، مع أنّه لا ضرورة في المقام أصلاً، فإنّ غاية ما يوجبه الخفض هو مراعاة السجع والتقفية، وذهب علماء البلاغة إلى حسن النظم فيما إذا لم يوجب إخلال في المعنى والتباس في الكلام، وعرفت ما في الخفض على الجوار من ركاكة - لمخالفته حكم المسح في الرأس - توجب خروج الكلام عن أُولى قواعد البلاغة والفصاحة، فكيف ينسب تجويز ذلك على الكتاب العزيز الذي هو الفصاحة والبلاغة بعينها؟!
وحكي عن أبي إسحاق النحوي أنّه قال: «الخفض على الجوار لا يجوز في كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّما يجوز ذلك في ضرورة الشعر»[٢]، وهذا أقوى الوجوه في استدلالهم على الخفض، وهناك وجوه أخرى ذكروها في غاية الوهن والضعف لا تصلح أن تكون دليلاً بحال لما فيها من المخالفة للفصاحة.
فصريح القرآن في المسح ولا يصار إلى الغسل فيه بوجه من الوجوه، فياترى ما الداعي الذي دعى القوم إلى مخالفة صريح القرآن وإبدالهم مسح الرجلين بغسلهما؟!
[١] قال ابن هشام: ولا يكون في النسق، لأنّ العاطف يمنع من التجاور، مغني اللبيب ٢: ٦٨٣، الباب الثامن، القاعدة الثانية.
[٢] تاج العروس ٤: ٢٠٣، «مسح».