موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٠٠
الكتابات على اعتماد أقوال الكثير من المتقدّمين، من مؤرّخين ومتكلّمين على أنّها الحقائق النهائيّة في موضوع البحث، بحجّة قول المؤرّخ أو المتكلّم الموثّق في قضايا اُخرى دخلت في إطار تخصّصه. لكن كم من أمر مشهور وقضيّة استمرّ التعامل معها على أنّها مسلّمة قد أثبت التحقيق في أصلها وعرضها على الأسئلة الجادّة أنّها قضية لا أصل لها، وأنّ الحقيقة في الأمر شيء آخر لم يأخذ نصيبه من الشهرة ولا حظّه في التداول؟
وفي تاريخ نشأة المذاهب العقيديّة الإسلاميّة تواجهنا هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة، وجدير بنا أن نتوقّع ذلك منذ الوهلة الأولى، فالتاريخ تاريخ مذاهب وفرق عاشت في ما بينها فترات طويلة، وربّما متّصلة من النزاعات والخلافات التي تبلغ ذروتها أحياناً في حروب طاحنة، وتقف أحياناً أخرى عند مستوى التكفير والتفسيق والقذف بشتّى ألوان التهم والطعون. ومن ناحية اُخرى فإنّ الكتّاب الذين كتبوا في تواريخها هم كتّاب ينتمون سلفاً إلى إحداها، ويتعصّبون لها، ويذبُّون عنها، ويصوّبون مقولاتها، ويقفون موقفاً سلبيّاً إزاء سائر الفرق الأخرى التي تختلف معها في مقولاتها، أو في تاريخها السياسي، أو في الاثنين معاً. فكيف لا نتوقّع غياب الروح الموضوعيّة والإنصاف في أحوال كهذه؟
إنّ السبيل الوحيد للخروج من هذه الإشكاليّة هو اعتماد التجرّد والموضوعيّة والحياد في قراءة التاريخ، لوضع كلّ شيء في محلّه، وإعطاء كلّ نصيبه، ووضع كلّ قضيّة في إطارها الموضوعي الصحيح، دون مزايدة أو تنقيص.
إنّ السجال والصراع العقائديّين اللذين اتّسما بالعنف والخشونة غالباً في القرن الأوّل والثاني من الهجرة قد أفرزا الشيء الكثير ممّا ينبغي إعادة النظر فيه بروح موضوعيّة متجرّدة من دواعي ذلك النزاع، لاسيّما مع ما ينبغي أن يكون تأثّره بتلك الأجزاء شديد الوضوح إلى حدّ لا ينبغي التغافل عنه، بل لا يتمّ التغافل