موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٧٨
خلق واقع منسجم تتطابق فيه البنى السياسيّة بالاجتماعيّة والثقافيّة، ولأنّ القطاع الثقافي والتعليمي يشكّل ركيزة المجتمع الحضاري وأساساً للدولة العقائديّة فإنّ المؤسّسة السلطانيّة لعبت دوراً كبيراً في إعادة ترتيب محتوياتها الداخليّة، من أجل سلب العناصر النقيضة لتلك المؤسّسة.
وتفريغ كلّ ذلك المحتوى من كلّ ما من شأنه أن يكون قنبلة موقوتة تهدّد بقاء تلك المؤسّسة.
وليس عجيباً أن يذكر التاريخ امثلة كثيرة على ذلك، تعكس حرص المؤسّسة السلطانيّة على التصرّف في الجهاز المعرفي والثقافي للأمّة، ونزوع حالة من الشموليّة تجعل الفكر محكوماً برقابة شديدة وتحت رحمة الرغبة الخلفائيّة.
ومن هنا تبيّن كيف أنّ التحريف لم يخدم فقط الواجهة السياسيّة، بل انعكس ذلك أيضاً على فلسفة التاريخ وعلى مناهج التاريخ وشخصيّة المؤرّخ، فبعض المؤرّخين تألّف نجمهم وتلألأ في سماء التراث الإسلامي، على الرغم من صغر حجمهم ونبوغ غيرهم، ذلك بأنّ المؤرّخ كان نفسه يعاني أخطر محنة في الماضي، وإنّ مهنة التاريخ كانت أخطر مهنة يمكن تصوّرها ساعتئذ، ومن هنا كانت الشهرة والألمعيّة من شأن المؤرّخين المتزلّفين للبلاط والمدافعين عن نهج الخلفاء، في حين انطفأ فيه نجم النابغين الذين أفنوا حياتهم في العلم وبرعوا في هذه الصناعة، وترفّعوا عن الاختلاف إلى أبواب الخلفاء.
فكلّ ذلك كان بسبب ما تقتضيه السياسة من تحريف الحقائق وتزوير الأحداث بما يتّفق مع منهجها السياسي أو هواها السلطاني، وما تلزمه تلك العمليّة من تقريب المتزلّفين وتهميش العلماء المستقلّين.
وعلى الرغمّ من كلّ ذلك يبقى التاريخ ضرورة لاغناء عنها، والنظر في أحوال الماضي ضرورة علميّة لا مناص من مزاولتها ; لأنّها وحدها كفيلة بأن