موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٠٦
الرجل عن نفسه وعن عقيدته، فوقفتُ على البون الشاسع والزيف المريع.
سطحيّون أو بسطاء غلبتهم سلامة الصدور فدهش ناظرهم للمنطاد المنفوخ الطائر، يحسبُ سرّاً عجيباً في جوفه رفعه إلى قُبّة السماء.. لكنّه هواء!!
هكذا تعاملوا مع الرجل.. طفقوا يكتبون عنه، وله، وفيه، فوضعوا أكفّهم على فيه، فألجموه ونطقوا، بأيّ شيء نطقوا؟ بتلك الكرة الحائرة!
ارفعوا أيديكم عن فيه.. دعوه ينطق، دعوه يُفصح عمّا يريد، دعوه يكشف عن لباب قلبه، دعوه، يقل ما يريد كما يريد لا كما تريدون.
فحملتُ على تلك الأكفّ فكففتّها عن فيه، فنطق بلسانه لا بألسنتهم.. ورفعتُ الأغلال عن يديه فرسم جوهر عقيدته بريشته هو، لا بريشة عشاقه، ولا بريشة حسّاده.
ولكن ما أصعب الحديث في بطون الحقيقة، وما أقسى ردود الفعل التي سيحدثها.. وعجباً له كيف سيشقّ طريقه بعكس اتّجاه ذاك التيّار الهادر، ومن سيرتضيه إلاّ المتعطّش للُّبِّ!
لقد دعونا ابن تيميّة، فعرّفناه لمن لم يعرفه، وعرّفنا بأجوائه كلّها من حيث الزمان والمكان، ثمّ تكلّم هو عن نفسه شيئاً ليعرف القاريُ صوته ونبراته، ثمّ انتقلنا معه إلى لباب عقائده ولم نقف عند القشور، ذهبنا إلى الصورة الكاملة ولم نقف عند الإطار نعظّمه ونمجّده، أو نعيبه ونبخسه نضارته، وأعرضنا عن كثير من التفصيل الذي يتشابه في معناه ويتّفق في مغزاه، حرصاً على لمّ أطراف تلك الصورة الممتدّة الواسعة بما لا يُضيع شيئاً من معالمها.
وأهمّ ما في الكتاب أن الرجل هو الذي تكلّم عن نفسه وعن لباب عقائده، لا عشّاقه ولا حسّاده..
فجاء هذا الكتاب ليمثّل الفصل الأخير في ما كُتب في موضوعه..
إنّه الحلقة المفقودة في تاريخ عقيدة، وفي حقيقة رجل.