موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٤٨
وبالفعل توقّف القصف، وجاء الأمر العسكري بالانسحاب من هذا الجبل والعودة إلى المقرّ الخلفي، وهناك -وكانت إجازاتنا الدورية قد تأخّرت كثيراً صدر الأمر العسكري بعمل القرعة لإرسال ثمان جنود فقط من كلّ فوج إلى أهاليهم لقضاء فترة الإجازة، وعند إجراء القرعة ظهر اسمي ضمن المجازين، فتعجّبت من ذلك وعرفت أنّ عليّ أداء النّذر في هذه الإجازة، فعرضت على صديقي عبّاس الذهاب إلى أهله بدلاً منّي، ورجوت منه أداء نذري عند حضرة الإمام علي(عليه السلام) فرفض صديقي عبّاس قائلاً: الإجازة هي حقّك والنذر نذرك فعليك أداؤه بنفسك.
وفعلاً ذهبت إلى مدينة الرمادي لقضاء فترة الإجازة، ولم أحسّ بالطريق الذي قطعته بالسيّارة لانشغال فكري بما جرى عليّ في الأيّام السابقة، وبضرورة أداء النذر الذي أراه صعب التنفيذ، فأنا يجب عليّ السفر إلى مدينة غريبة لم أزرها من قبل، ولا أعرف ناسها وطباعهم، ولا مذهبهم الديني.
وصلت إلى البيت عند الغروب، وفرح أهلي واصدقائي بعودتي، لكنّهم لاحظوا عليّ الصمت والتفكير وعدم مشاركتهم فيما يتكلّمون عنه، فأنا مشغول بالتفكير بأمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نجاني من الموت المحتّم، وكيفيّة أداء النذر له، لكنّ الصعوبة التي كنت أواجهها هي أنّه كيف أفاتح أهلي بالموضوع، وكيف أطرحه عليهم، فبقيت اللّيلة الأولى متحيّراً متقلّباً على فراشي.
وفي الصباح طلبت من أخي الكبير عدم الذهاب إلى محلّ عمله، والذّهاب معي بدلاً من ذلك لأداء النذر، فرفض أخي قائلاً: ولماذا توسّلت بعليّ؟ ولماذا لم تتوسّل بالشيخ خليفة والشيخ مسعود اللذين نتوسّل بهم عادة؟
فقلت له: يا أخي أنا في تلك الشدّة لم يحضر في خاطري سوى علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولم يكن هذا الجواب منّي مقنعاً لأخي في الذهاب معي، فبقيت متحيّراً في أمري ولكنّي صمّمت على الذهاب في اليوم التالي، أتى معي أخي أم لم يأت.