موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣١٧
للأحاديث التي أحدثها وأدّى إليها وضع الحديث على عقائد الناس وأفكارهم، وكذا نظرتهم إلى الحاكم والعلاقة به، ويمكن القول هنا: إنّ الدوافع السياسيّة تأتي في طليعة العوامل التي أدّت إلى بروز هذه الظاهرة وانتشارها...
إنّ دافع الأمويّين الرئيسي من وراء ذلك كان اضفاء صفة الشرعيّة على نظام حكمهم، وتقديمه للمسلمين بصورة مقبولة دينيّاً، فقد كان الأمويّون يعلمون - كغيرهم - بافتقاد نظامهم لمثل هذه الشرعيّة، وضعف الأساس الديني الذي يرتكز عليه حكمهم ; لهذا لجئوا إلى الحديث المكذوب على الرسول، يستمدّون منه الغطاء الشرعي، ويدعمون به الأساس الواهي لحكمهم.
وقد وجدوا الكثير من الصحابة مّمن هم على استعداد للقيام بهذه المهمّة ووضع الأحاديث التي تعزّز شرعيّة هذا الحكم، وتمنع الناس من التعرّض له أو حتّى انتقاده.
والملاحظ أنّ الأمويّين مارسوا - في مسعاهم لتحقيق الشرعيّة المطلوبة - التعاطي مع الحديث النبويّ على عدّة مستويات، وكنّا قد أشرنا في حديث سابق لما يمكن أن ندعوه هنا «بالمستوى النظري» لهذا التعاطي، وذلك من خلال التشجيع على وضع الأحاديث التي تثني على الأمويّين - وغيرهم - وتبجّل رموزهم وشخصيّاتهم، وكذا التشجيع على افتراء الأحاديث التي أرادوها أن تحطّ من قدر أهل البيت(عليهم السلام) وتنزلهم من مرتبتهم الشامخة وفي مقدّمتهم سيّد العترة أمير المؤمنين(عليه السلام).
والمستوى الثاني من التعاطي مع الحديث النبوي يمكننا أن نسمّيه «بالمستوى التطبيقي»، وهو التعامل الذي كان يتّجه إلى تبرير السياسة الأمويّة على صعيد الممارسة والسلوك، وإشاعة نوع من الفهم للعلاقة مع الحاكم، يرتكز على إضفاء الشرعيّة والقداسة على أعمال الحاكم وسياساته، وعدم جواز التعرّض لهذه السياسة بأيّ شكل من الأشكال مهما يكن بُعد هذه الأعمال