موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢١٧
أمّا والله لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى.
فأقبل الحرّ حتّى وقف عن الناس موقفاً ومعه رجل من قومه يقال: له قرة بن قيس الرياحي، فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال لا! قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت: أنا منطلق فأسقيه، فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين(عليه السلام).
فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه وأخذه مثل العرواء، وفي رواية مثل الأفكل، فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب! وما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن؟ ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟ فقال الحرّ: إنّي والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا اختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت، ثُمّ ضرب فرسه قاصدا إلى الحسين(عليه السلام) ويده على راسه وهو يقول: اللّهم إليك أنيب فتب عليّ فقد أرعبت قلوب اؤليائك وأولاد بنت نبيك، فلمّا دنا منهم قلب ترسه فقالوا: مستأمن، حتّى إذا عرفوه سلّم على الحسين وقال:جعلني الله فداك يا ابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان! والله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أصانع القوم في بعض أمرهم ولا يظنّون أنّي خرجت من طاعتهم وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، والله لو ظننتهم لا يقبلونها منك ركبتها منك، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك وبنفسي حتّى أموت بين يديك، فهل ترى لي من توبة؟
قال: «نعم! يتوب الله عليك ويغفر لك فانزل».