شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٢٤ - الثّالثة قوّة الشمّ
فسافرت الرخم إلى الجيف، ولا دليل لها إلاّ الرّائحة. كذا في " الشّفاء " .[١]
ثم حقّق المقام بقوله: «فنقول: نحن أنّه يجوز أن يكون المشموم هو البخار، ويجوز أن يكون الهواء نفسه يستحيل عن ذي الرّائحة فيصير له رائحة، فيكون حكمه أيضاً حكم البخار، فيكون كلّ شيء لطيف الأجزاء من شأنّه أن ينفذ إذا بلغ آلة الشمّ ولاقاها كان بخاراً أو هواء مستحيلاً إلى الرائحة أحسّ به .
وقد علمت أنّ كلّ متوسّط يوصل إليه بالاستحالة، فإنّ المحسوس أيضاً لو تمكّن من ملاقاة الحاسّ لأحسّ به بلا واسطة .
ثمّ قال: وأما حديث التأدية فأمر بعيد، لأنّ التأدية لا تكون إلاّ بنسبة ماللمؤدى عنه إلى المؤدى إليه، وأمّا الجسم ذو الرايحة، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، فإنّك لو توهّمت الكافور قد عدم دفعة، لم يمنع أن تكون رائحته بعده باقية في الهواء، فذلك لا محالة لمخالطة أو استحالة.
وأمّا حديث الرّخم، فإنّه قد يجوز أن يكون رياح قوّية تنقل الروائح والأبخرة المتحلّلة عن الجيف إلى المسافة المذكورة في أعلى الجوّ، فيحسّ بها ما هو أقوى حسّاً من النّاس، وأعلى مكاناً مثل الرّخم.
وأنت تعلم أنّ الرّوائح وإن كانت قد تصل إلى كثير من الحيوانات فوق ما تصل إلى النّاس بكثير، فقد يتأدّى إليها المبصرات من مسافات بعيدة، وهي تحلق في الجوّ حتّى يبلغ إبصارها في البُعد مبلغاً بعيداً جدّاً، وحتّى
[١] لاحظ : طبيعيات الشفاء: ٢ / كتاب النفس / ٦٦ ـ ٦٧ .