شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١٩٩ - المبحث الرّابع في أنّ لكلّ جسم شكلاً طبيعيّاً
النّقلة، بل إنّما ذلك مفارقة شيء كان الجسم فيه ثمّ استبدل به، وهو الّذي تسميّه مكاناً.
ومنها: وجود التّعاقب: فإنّا نشاهد الجسم يكون حاضراً، ثمّ نراه غائباً، ونرى جسماً آخر حضر حيث هو، مثلاً قد كانت جرة فيها ماء ثمّ حصل بعده فيها هواء أو دهن، والبديهة توجب أنّ هذا المعاقب عاقب شيئاً وخَلَفَهُ في أمر كان لذلك الشّيء أولاً، وكان الأوّل مختصّاً به، والآن فقد فاته، وذلك لا كيف ولا كمّ في ذات أحدهما ولا جوهر، بل الحيّز الّذي كان الأوّل فيه صار الآخر فيه .
ومنها: أنّ النّاس كلّهم يعقلون أنّ هنا فوق، وأنّ هاهنا أسفل، فليس يصير الشّيء فوقاً وأسفل بجوهر له أو كم أو كيف فيه أو غير ذلك، بل بالمعنى الّذي يسمّى مكاناً، وحتّى أنّ الأشكال التّعليميّة لا تتوهم إلاّ أن تتخصّص بوضع وحيّز، ولولا أنّ المكان موجود ومع وجوده ليس بنوع ولا فصول وخواصّ، لما كان بعض الأجسام يتحرّك طبعاً إلى فوق، وبعضها إلى أسفل .
قالوا: وقد بلغ من قوّة أمر المكان أنّ التّخيّل العامي بمنع وجود الشّيء لا في مكان، ويوجب أنّ المكان أمرٌ قائمٌ بنفسه يحتاج أن يكون معدّاً حتّى توجد فيه الأجسام.
ولمّا أراد استودوس الشّاعر أن يقول شعراً يحدث فيه عن ترتيب الخلقة لم ير أن يقدّم وجود المكان شيئاً، فقال: إنّ أوّل ما خلق الله تعالى