شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١٦
وثباته في دوّامة التحوّلات. وهذا على جانب النقيض من كونه مادياً.
البرهان الثاني : علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه [١]
إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك، فاستمع إلى البيان التالي:
إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لا تُبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلا تحسّ بها، بل تكون منفرجة،مرتخية في هواء طلق، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروحُ نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.
و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه ». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.
[١] هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : ٢ / ٩٢. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص ٢٨٢ و ٤٦٤.