دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢٤٠ - الجهة الثالثة في أنّه لا بدّ للوضع من موقعيّة تقتضي تحقّقه فيها،
إثباته بالتواتر، و هو كونه أساسا للإسلام، و كتاب هداية للناس من الضلالة، و معجزة باقية إلى يوم القيامة، و لم يأت لبيان الأحكام خاصّة، بل كان إتيانه لبيان جميع ما له دخل في سعادة الإنسان، و هو الكتاب الذي قال اللّه تعالى في شأنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [١]، و حيث كان شأنه كذلك فلا معنى لإثباته بخبر عادل، بل لا بدّ فيه من التواتر، فكان المسلمون يستبقون إلى حفظه من الابتداء، و كذلك الكفّار الذين كانوا في أعلى درجة من الفصاحة و البلاغة يستبقون إلى حفظه لوهنه و إيراد الخدشة عليه؛ إذ القرآن ناداهم بأعلى صوت بقوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [٢]، و لذا كانت الدواعي لحفظ القرآن وافرة و لم تصل النوبة إلى خبر الواحد حتّى يقال: إنّه يثبت به أم لا.
و قد أخطأ خطأ بيّنا من قال: بعدم جمع القرآن في عهد رسول اللّه ٦ بل كان جمعه و اتّصال الآيات بمعنى تأليف الكتاب و تنظيم السور في عهد رسول اللّه ٦ و مرتبطا بالوحي، بل جمعه و اتّصاله و ارتباطه بالوحي ضروريّا؛ إذ روي إتيان جبرئيل بكلّ آية آية من القرآن، و قوله لرسول اللّه ٦: ضعها في سورة كذا.
و أمّا الجمع الذي نسب إلى أمير المؤمنين ٧ أو أبي بكر أو عثمان فلا يرتبط بتأليف القرآن و تنظيم الآيات و السور، فإنّ جمع مولى الموحّدين ٧ عبارة عن كتابة جميع خصوصيّات الآيات، من تفسيرها و تبيين غوامضها و شأن نزولها و سائر ما له دخل بها، مع رعاية نظمها و ترتيبها، كما فعل ذلك ابن مسعود
[١] الحجر: ٩.
[٢] البقرة: ٢٣.