دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ١١٢ - في حقيقة الوضع
القول الرابع: ما عن بعض الأعلام على ما في كتاب المحاضرات [١]، و محصّل كلامه: أنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهّد بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص، فكلّ واحد من الأفراد من أهل أيّ لغة كان متعهّدا في نفسه، بأنّه متى أراد تفهيم معنى خاصّ أن يجعل مبرزه لفظا مخصوصا، مثلا: التزم كلّ واحد من أفراد الامّة العربيّة بأنّه متى قصد تفهيم جسم سيّال بارد بالطبع أن يجعل مبرزه لفظ «الماء» و هكذا.
و ممّا يدلّنا على ذلك بوضوح وضع الأعلام الشخصيّة، فإنّ كلّ شخص إذا راجع وجدانه يظهر له أنّه إذا أراد أن يضع اسما لولده- مثلا- يتصوّر أوّلا ذات ولده، و ثانيا لفظا يناسبه، ثمّ يتعهّد في نفسه بأنّه متى قصد تفهيمه يتكلّم بذلك اللفظ، و ليس هاهنا شيء آخر ما عدا ذلك، فليس الوضع هو القول بأنّه وضع هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى، بل هو مبيّن للوضع و التعهّد النفساني.
و من ذلك تبيّن ملاك أنّ كلّ مستعمل واضع حقيقة، و أمّا إطلاق الواضع على الجاعل الأوّل دون غيره فلأسبقيّته في الوضع لا لأجل أنّه واضع في الحقيقة دون غيره.
ثمّ إنّ الوضع بذلك المعنى الذي ذكرناه موافق لمعناه اللغوي أيضا؛ لأنّه كان في اللغة بمعنى الجعل و الإقرار، و منه وضع اللفظ، و منه وضع القوانين في الحكومات الشرعيّة و العرفيّة، فإنّه يكون بمعنى التزام تلك الحكومة بتنفيذها في الامّة.
و فيه: أوّلا: مع أنّ كون المستعمل واضعا مخالف للمرتكز الذهني فهو مخالف للواقع أيضا؛ إذ الوجدان أقوى شاهد بأنّ الأب و المخترع و المصنّف أحقّ
[١] محاضرات في اصول الفقه ١: ٤٤- ٤٩.