أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٤
إن قلت: إذا أمكن أن تدرك المصالح و المفاسد بالعقل فلا حاجة إلى الشرع.
قلنا: إنّ العقل إنّما يدرك المصالح و المفاسد القطعيّة في دائرة مضيّقة محدودة خاصّة من الامور، و ما يبقى خارجاً من هذه الدائرة هو الأكثر فليس للعقل سبيل إلى المصالح و المفاسد في أحكام الإرث و كثير من مسائل النكاح و النساء و المحرّمات و كثير من المعاملات و ما يحلّ و ما يحرم من اللحوم و الأطعمة و الأشربة و غيرها من أشباهها، و الشاهد على ذلك ما نشاهده من التغييرات في القوانين البشريّة في هذه الامور كلّ يوم، و بالجملة أنّ العقل هو بمنزلة مصباح مضيء في صحراء مظلمة يضيء دائرة محدودة منها فقط، و أمّا الشرع فهو كالشمس في السماء يضيء كلّ شيء.
الرابع: سدّ الذرائع
«الذريعة» في اللغة تطلق على مطلق الآلة و الوسيلة و لكن في الاصطلاح تطلق على وسيلة خاصّة، فتكون بمعنى التوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، و سدّ الذرائع هو المنع عمّا يتوصّل به إلى الحرام، أي المنع عن مقدّمة الحرام، فحقيقة الذريعة هي نفس ما يبحث عنه في علم الاصول بعنوان مقدّمة الحرام لكنّها عند بعض بمعنى مطلق المقدّمة، فتكون الذريعة حينئذٍ مطلق ما كان وسيلة و طريقاً إلى شيء، و لذلك تجري فيه جميع الأحكام الخمسة، و لأجله قال بعضهم، «سدّ الذرائع و فتحها» و «الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها و تكره و تندب و تباح».
و الشاهد للتفسير الأوّل عبارة «موافقات الشاطبي» نقلًا عن بعضهم: «الذريعة ربع الدين» [١] حيث إن الدين إمّا أن يكون أمراً أو نهياً و لكلّ منهما مقدّمات تخصّه، فينقسم الدين حينئذٍ إلى أربعة أقسام: الواجبات و مقدّماتها، و المحرّمات و مقدّماتها أيضاً، فيصحّ أن يقال: إنّ الذريعة ربع الدين.
ثمّ إنّ الموافقات نقل عن بعضهم معنىً ثالثاً للذريعة و هو «الحيلة» فسدّ الذرائع بمعنى سدّ
[١] موافقات الشاطبي: ج ٤، ص ١٩٩.