أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٣ - الثالث المصالح المرسلة
الواقع عن الحكم لأنّ العمومات و الأقيسة تكون بمقدار يوجب عدم خلوّ الوقائع، و ثانياً: لو أدّى إلى خلوّ الوقائع عن الحكم فلا بأس به.
و حقّ الجواب عن هذا أنّه لو كان المراد من المصالح المرسلة المصالح القطعيّة التي ترجع بالمآل إلى المستقلّات العقليّة و شبهها و قاعدة الملازمة فلا إشكال فيه، و إن كان المراد منها مجرّد العلم بالمقتضي في الجملة من دون إحراز عدم المانع و وجود الشرائط الذي يوجب الظنّ بالحكم فقط فلا دليل على حجّيته كما مرّ كراراً.
الوجه الثاني: ما نقله عنهم في الاصول العامّة و هو «أنّه لو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر ممّا شرّعه و مما أرشد إلى الاهتداء به لبيّنه و لم يتركه لأنّه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: «أَ يَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» [١].
و يمكن الجواب عنه بناءً على عدم المنافاة بين بيان الأحكام لجميع الوقائع و عدم خلوّها منها و بين أن لا تصل جميعها إلينا فلا بدّ من كشفها و الاستدلال عليها بالعقل بالطرق الثلاثة المذكورة سابقاً (طريق علل الأحكام و طريق معلولاتها و طريق الملازمات) و هذا يرجع في الواقع إلى خلوّ بعض الأحكام من دليل الكتاب و السنّة فيما وصلت إلينا و هو أمر معقول.
الوجه الثالث: ما يستفاد من كلام الغزالي و حاصله: أنّ المصلحة هي المحافظة على مقاصد الشرع، و مقاصد الشرع تعرف بالكتاب و السنّة و الإجماع، فلا بدّ في اعتبار المصلحة من كونها موجودة في الكتاب و السنّة و الإجماع و إلّا نستكشف عدم كونها مصلحة عند الشارع فتكون باطلة مطروحة.
و الجواب عنه: أنّا نقبل المقدّمة الاولى في كلامه، و هي ما يعبّر عنها اليوم بأنّا نأخذ القيم من الشرع، و لكن المقدّمة الثانية في كلامه و هي انحصار طريق استكشافها في الكتاب و السنّة و الإجماع فممنوعة لأنّه قد يكون الطريق هو العقل القطعي.
نعم لا اعتبار بالعقل الظنّي ما لم يدلّ عليه دليل شرعي من الكتاب أو السنّة أو الإجماع.
فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ المصالح على قسمين: ما يستكشفه العقل القطعي و يحصل العلم بكونه جامعاً للشرائط و فاقداً للموانع فيكون حجّة، و ما يستكشفه العقل الظنّي و لا يحصل القطع به فليس بحجّة.
[١] الاصول العامّة: ص ٤٠٠.