أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩١ - الثالث المصالح المرسلة
توجب الراحة و الاشتغالات اللهويّة، ثمّ قال: الاستصلاح حجّة في القسم الأوّل [١] و ذكر هنا مثال التترس الذي حكينا عنه آنفاً.
أمّا الأدلّة في المسألة، فالقائلون بالحجّية استدلّوا بوجوه عمدتها الإجماع و الوجوه العقليّة.
فمنها: ما يرجع في الواقع إلى دليل الانسداد و إن لم يعبّروا به في كلماتهم، و هو أنّ الحوادث الكثيرة متجدّدة و النصوص قليلة، و لو اكتفينا بالنصوص ضاقت الشريعة الإسلاميّة مع أنّ الإسلام خاتم الأديان.
و الجواب عنه ظهر ممّا مرّ كراراً من أنّه إن كان المراد من الاستصلاح- الاستصلاح في موارد القطع فلا ننكره كما سيأتي في الجواب عن الوجه الثاني، و إن كان المراد منه الاستصلاح في موارد الظنّ (كما أنّه كذلك) فلا دليل على حجّيته لما مرّ من عدم تماميّة مقدّمات الانسداد عندنا، و منشأ الانسداد على مذهبهم ناشٍ من قلّة نصوصهم مع أنّ سنّة الأئمّة المعصومين عندنا كسنّة النبي ٦ و هي تشتمل على الاصول الكلّية و الأحكام الجزئيّة معاً، و تكون كافية في رفع الانسداد.
و منها: أنّ الأحكام الشرعيّة إنّما شرّعت لتحقيق مصالح العباد و إنّ هذه المصالح التي بنيت عليها الأحكام الشرعيّة معقولة، أي ممّا يدرك العقل حسنها كما أنّه يدرك قبح ما نهى عنه فإذا حدثت واقعة لا نصّ فيها و بنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع.
و في الجواب نقول: أنّ هذا منبي على الحسن و القبح العقليين و قاعدة الملازمة، و هي مقبولة عندنا في موارد القطع بالمصلحة و المفسدة التي ليست بنادرة، لأنّ امّهات الأحكام الشرعيّة قابلة لأن تدرك بالعقل و إن لم يدرك تفاصيلها، و لذلك نرى أنّه في علل الشرائع ذكرت لأحكام الشرع علل يدركه العقل تفاصيلها، و لذلك نرى أنّه في علل الشرائع ذكرت لأحكام الشرع علل يدركه العقل، فلا وجه لما ذكر في مثل الاصول العامّة من أنّ ما كان من قبيل الحسن و القبح الذاتيين فهو نادر جدّاً و أمثلته قد لا تتجاوز العدل و الظلم و قليلًا من نظائرهما» [٢].
[١] راجع الأصول العامّة: ص ٣٨٣.
[٢] الاصول العامّة: ص ٣٨٧.