أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢١ - الدليل الثالث الإجماع
و يمكن أن تكون من هذا القبيل رواية أحمد بن إسحاق المذكورة آنفاً، لأنّ رجال السند فيها كلّهم من أجلّاء الأصحاب الذين يعتنى بشأنهم، و لا إشكال أيضاً أنّ قوله ٧: «فإنّه الثقة المأمون» و ما ورد في ذيل هذا الحديث من قوله ٧: «فإنّهما الثقتان المأمونان» بمنزلة الكبرى الكلّية يدلّ على حجّية خبر الثقة مطلقاً.
فقد ثبت من جميع ما ذكرنا أنّ الاستدلال على حجّية خبر الثقة بالسنّة في محلّه.
الدليل الثالث: الإجماع
و تارةً يراد به الإجماع القولي من العلماء، و اخرى الإجماع العملي منهم بل من كافّة المسلمين و يمكن التعبير عنه بسيرة المسلمين أيضاً، و ثالثة السيرة العقلائيّة.
أمّا الإجماع بالمعنى الأوّل فهو ممنوع لكون المسألة خلافيّة، و كذا الإجماع بالمعنى الثاني، و لو سلّمنا تحقّق صغرى الإجماع لكنّه ليس بحجّة لأنّ مدارك المسألة معلومة، فطائفة منهم تمسّكوا بالدليل العقلي، و اخرى بالأدلّة النقليّة من الآيات و الرّوايات.
أمّا الإجماع بمعنى السيرة العقلائيّة: فهو استقرار طريقة العقلاء طرّاً على الرجوع إلى خبر الثقة مطلقاً، و هو حجّة ما لم يردع عنه الشارع.
إن قلت: يكفي في الردع الآيات الناهية عن اتّباع غير العلم.
قلنا: قد مرّ جوابنا عن هذه الآيات بأنّ المقصود من الظنّ الوارد فيها الوهم و الخرافة.
إن قلت: إنّ استقرار سيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة إنّما هو من جهة حصول الوثوق و الاطمئنان منه نوعاً و إلّا فلا خصوصيّة لخبر الثقة و لا لغيره أصلًا فعملهم بخبر الثقة خصوصاً في الامور المهمّة إنّما يكون فيما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان لا بما هو هو، فلا يثبت بها حجّية الظنّ مطلقاً و لو لم يحصل إلى حدّ الوثوق، و لو سلّمنا شمولها لمطلق الظنّ إلّا أنّ دائرتها تختصّ بالأخبار بلا واسطة، و لو فرضنا شمولها للأخبار مع الواسطة أيضاً في زماننا هذا، إلّا أنّ رجوعها إلى عصر الأئمّة المعصومين : غير ثابت.
قلنا: لو راجعنا سيرة العقلاء في امورهم العامّة غير الشخصية كتقسيم ضريبة ماليّة و توزيعها بين الفقراء و نحو ذلك ممّا يصنع به في دائرة واسعة لعلمنا أنّهم يكتفون في تعيين