أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٩ - نقد كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله)
و عمدة الإشكال في هذا الطريق إنّا لا نقبل كون المجعول في الأمارات حكماً إرشاديّاً إلى ما هو أقرب إلى الواقعيات لأنّه خلاف ظاهر أدلّة حجّية الأمارات كما مرّ آنفاً. مضافاً إلى ما مرّ من فهم الفقهاء و تعبيرهم عن مفاد الأمارات بحكم مولوي من وجوب و حرمة و غيرهما.
٤- ما أفاده المحقّق الحائري (رحمه الله) بنفسه في الدّرر، بقوله: «إنّ بطلان ذلك مبني على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي لأنّ المورد من مصاديق ذلك العنوان فإنّ الأمر تعلّق بعنوان العمل بقول العادل مثلًا، و النهي تعلّق بعنوان آخر مثل شرب الخمر، و حيث جوّزنا الاجتماع و بيّناه في محلّه فلا إشكال هنا أيضاً، لا يقال: جواز اجتماع الأمر و النهي على تقدير القول به إنّما يكون فيما تكون هناك مندوحة للمكلّف كالأمر بالصلاة و النهي عن الغصب لا فيما ليس له مندوحة، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لأنّ العمل بمضمون خبر العادل مثلًا يجب عليه معيّناً حتّى في مورد يكون مؤدّى الخبر وجوب شيء مع كونه حراماً في الواقع بخلاف الصّلاة لعدم وجوب تمام أفرادها معيّناً بل الواجب صرف الوجود الذي يصدق على الفرد المحرم و على غيره، لأنّا نقول: اعتبار المندوحة في تلك المسألة إنّما كان من جهة عدم لزوم التكليف بما لا يطاق، و فيما نحن فيه لا يلزم التكليف بما لا يطاق من جهة عدم تنجّز الواقع، فلم يبق في البين إلّا قضية اجتماع الضدّين و المثلين و هو مدفوع بكفاية تعدّد الجهة» [١].
ثمّ استشكل على هذا الطريق بما حاصله: إنّ ما نحن فيه ليس من باب تعدّد الجهة و العنوان حتّى يكون من باب اجتماع الأمر و النهي لأنّ جعل الخبر طريقاً إلى الواقع معناه أن يكون الملحوظ في عمل المكلّف نفس العناوين الأوّليّة، مثلًا لو قام الخبر على وجوب صلاة الجمعة في الواقع فمعنى العمل على طبقه أن يأتي بها على أنّها واجبة واقعاً، فيرجع إيجاب العمل به إلى إيجاب الصّلاة على أنّها واجبة واقعاً، فلو فرضنا كونها محرّمة في الواقع يلزم كون الشيء الواحد من جهة واحدة محرّماً و واجباً، فليس من جزئيات مسألة اجتماع الأمر و النهي التي قلنا بكفاية تعدّد الجهة فيه.
أقول: ما أورده على هذا الطريق وارد جدّاً، إلّا أنّ هنا إشكالًا آخر يرد على ردّه، و هو الذي نقله في ضمن كلامه (أي ما ذكره في حكم المندوحة) و هو أنّه إن كان المراد من عدم تنجّز
[١] درر الفوائد: ج ٢، ص ٣٥٥، طبع جماعة المدرّسين.