أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٠ - الفصل السادس الكلام في الخطابات الشفاهيّة
لكن الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّه إن كان المراد من المعدوم المعدوم بما هو هو فلا معنى للتكليف لا فعلياً و لا إنشائيّاً، و إن كان المراد المعدوم بما سوف يوجد، أي على فرض وجوده و على نهج القضيّة الحقيقيّة فالتكليف ممكن، إلّا أنّه لا فرق حينئذٍ بين الفعلي و الإنشائي، و إن شئت قلت: التكليف حينئذٍ فعلي و لكن في فرض وجود موضوعه كما في القضايا الشرطيّة.
أمّا المقام الثاني: و هو جواز مخاطبة المعدومين و عدمه فذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى عدمه و قال ما حاصله: أنّه لا ريب في عدم صحّة خطاب الغائب عن مجلس الخطاب بل الحاضر غير الملتفت فضلًا عن الغائب و المعدوم على وجه الحقيقة، فإنّ الخطاب الحقيقي عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، و من المعلوم أنّ ذلك ممّا لا يتحقّق إلّا إذا كان توجيه الكلام إلى الحاضر الملتفت.
لكن الإنصاف أنّ ما قلنا في المقام الأوّل جارٍ هنا أيضاً حيث نقول: إن كان المراد مخاطبة المعدوم بلحاظ حال العدم فلا يجوز قطعاً، و أمّا إذا كان بلحاظ الوجود فلا إشكال فيه، لأنّ حقيقة الخطاب توجيهه نحو الغير مع الايصال إليه بأيّ وسيلة كانت سواء كان الغير حاضراً أو غائباً، و ليست حقيقته المشافهة حتّى يختصّ جوازه بالحاضر في المجلس، و لذلك تكتب الرسائل و يخاطب فيها الغائب أو تكتب الوصيّة للجيل اللاحق و هم مخاطبون فيها، كما ورد في وصيّة أمير المؤمنين علي ٧: «اوصيكما و جميع ولدي و من بلغه كتابي هذا بتقوى اللَّه و نظم أمركم» [١]، إلى غير ذلك من أشباهها و نظائرها.
فتلخّص أنّ حقيقة التخاطب هو توجيه الخطاب نحو الغير لا التشافه و الحضور، و هذا يصدق بالنسبة إلى المعدوم بلحاظ زمن وجوده أيضاً.
أمّا المقام الثالث: فالنزاع فيه عند المحقّق الخراساني (رحمه الله) مسبّب عن أنّ أدوات الخطاب هل هي موضوعة للخطاب مع المخاطب الحقيقي كي نقول باختصاصها بالحاضرين و عدم شمولها للمعدومين لئلّا يلزم استعمال الأداة في غير ما وضعت له، أو موضوعة لإنشاء مطلق التخاطب و لايقاع مجرّد المخاطبة سواء كان مع المخاطب الحقيقي أو التنزيلي فتكون شاملة للمعدومين أيضاً و قد مرّ نظيره في مبحث الأوامر بالنسبة إلى صيغة الأمر و هل هي موضوعة
[١] نهج البلاغة: كتاب ٤٧.