التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - تهاجمه على أهل الحديث
و الظاهرة العجيبة في خصومة الزمخشريّ، أنّه يحرص كلّ الحرص على أن يحوّل الآيات القرآنيّة التي وردت في حقّ الكفّار، إلى ناحية مخالفيه في العقيدة من أهل الحديث، ففي سورة آل عمران حيث يقول تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ»[١]، نجد الزمخشريّ بعد ما يعترف بأنّ الآية واردة في حقّ اليهود و النصارى يجوز أن تكون واردة في حقّ مبتدعي هذه الامّة، و ينصّ على أنّهم «المشبّهة» و «المجبّرة» و «الحشويّة» و أشباههم[٢].
و في سورة يونس، حيث يقول تعالى: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ»[٣]، يقول: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن و فاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه و يعلموا كنه أمره، و قبل أن يتدبّروه و يقفوا على تأويله و معانيه؛ و ذلك لفرط نفورهم عمّا يخالف دينهم، و شرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد من «الحشويّة» إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه و ألفه و إن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحّة و بيان الاستقامة أنكرها في أوّل وهلة، و اشمأزّ منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه، من غير فكر في صحّة أو فساد؛ لأنّه لم يشعر قلبه إلّا صحّة مذهبه و فساد ما عداه من المذاهب[٤].
و لقد أظهر الزمخشريّ تعصّبا قويّا لمذهبه، إلى حدّ جعله يُخرج خصومه السُنّيّين من دين اللّه، و هو الإسلام؛ و ذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ»[٥]: فإن قلت: ما المراد بأُولي العلم الذين عظّمهم هذا التعظيم، حيث جمعهم معه و مع الملائكة في الشهادة على وحدانيّته و عدله؟
قلت: هم الذين يثبتون وحدانيّته و عدله بالحجج الساطعة و البراهين القاطعة، و هم علماء العدل و التوحيد- يريد أهل مذهبه-.
[١] -. آل عمران ١٠٥: ٣.
[٢] -. الكشّاف، ج ١، ص ٣٩٩.
[٣] -. يونس ٣٩: ١٠.
[٤] -. الكشّاف، ج ٢، ص ٣٤٧- ٣٤٨.
[٥] -. آل عمران ١٨: ٣.