التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - ٢٩ فتح القدير للشوكاني الزيدي
في طلب العلم و السماع من العلماء الأعلام، و قد شُغف بمطالعة كتب التاريخ و مجاميع الأدب، و سار على هذه الطريقة ما بين مطالعة و حفظ، و ما بين سماع و تلقٍّ، إلى أن صار إماما يُعوَّل عليه و رأسا يُرحل إليه. و قد خلّف آثارا نافعة أهمّها: نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، و هذا الكتاب (فتح القدير) في التفسير، و قد جمع فيه بين الرواية و الدراية، و أصبح مرجعا من مراجع التفسير و أصلًا من اصوله، و طار صيته عند العلماء. فقد توسّع في باب الرواية، كما أجاد في باب الدراية .. و قد اعتمد في تفسيره على أبي جعفر النحّاس و ابن عطيّة الدمشقيّ و ابن عطيّة الأندلسيّ و القرطبيّ و الزمخشريّ و غيرهم من أعيان المفسّرين.
قال في المقدّمة: فهذا التفسير و إن كبر حجمه، فقد كثر علمه، و اشتمل على ما في كتب التفسير من بدائع فوائد، مع زوائد فرائد و قواعد شوارد .. فكان لبّ اللباب و ذخيرة الطلّاب ..
و هذا التفسير يعتمد على الأثر و يعقّبه أحيانا بالنقد و النظر، و هو في ذلك متأرجح بين المذاهب في الاصول و الفروع، فتارة يميل مع أهل الظاهر، فيأخذ من ظواهر التعابير حجّة قاطعة و يرفض آراء المعتزلة .. كما في مسألة الرؤية و العرش و الكرسيّ و الاستواء و ما شابه. فهو في ذلك سلفيّ بحت[١].
و اخرى يقف من طريقة الجمهور موقف المعارض، فنراه في مسألة التوسّل بالأنبياء و الأولياء يقف موقف المعارضة، و يفيض في الإنكار على من يفعل ذلك، بحجّة أنّ الأنبياء هم أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرّا، فكيف التوسّل بهم في بؤس أو ضرّ؟![٢] و هكذا يرفض التقليد بتاتا و يؤكّد على لزوم مراجعة الكتاب و السنّة، و نبذ مذاهب الفقهاء .. يقول في ذلك: فدعوا كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم و استبدلوا بها كتاب اللّه و أقوال إمامكم محمّد بن عبد اللّه ..
[١] -. راجع: فتح القدير، ج ١، ص ٧٢ و ٢٤٤ و ج ٢، ص ١٩٦ و ٢٠١ و ج ٣، ص ٣٨ و ج ٤، ص ٤٥٧.
[٢] -. المصدر نفسه، ج ١، ص ٣٦٥ و ج ٢، ص ٤٢٩.