التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - الرأي الحاسم
و يتأيّد هذا المعنى، بما ورد في لفظ أحمد:
«تحدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، فإنّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلّا و قد كان فيهم أعجب منه»[١]، أي كلّ ما حدّثت عنهم من فضيحة أو رذيلة شانئة، فهو صدق؛ لأنّهم أوسع فضاحةً و أكثر رذالةً ممّا يُحتمل بشأنهم.
و في لفظه الآخر:
«حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، و حدّثوا عنّي و لا تكذبوا»[٢].
ففي هذه المقارنة بين التوسّع في الحديث عن بني إسرائيل، و التقيّد لدى الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم دلالة واضحة على صدق الحديث عنهم مهما كان الحديث، أمّا عند التحدّث عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فيجب تحرّي الصدق، و لئلّا يكون كذبا عليه. فإنّه من كذب عليه متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار.
الرأي الحاسم
لا شكّ أنّ سبر التاريخ و دراسة أحوال الماضين عبرة و عظة لمن اعتبر به و أخذ من متقلّباته متّعظا له: فيم ربحوا و فيم رسبوا!
«ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»[٣].
و التاريخ كتاب العبر لمن أمعن و تدبّر، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «أ و ليس لكم في آثار الأوّلين مُزدَجَر، و في آبائكم الماضين تبصرة و مُعتَبَر؟!»[٤].
نعم، كانت دراسة التاريخ ضرورة تربويّة للأجيال، و ليؤخذ من تجارب الماضين مشاعل وهّاجة لإنارة درب الباقين، فلا تتكرّر التجربة إذا كانت عنيفة، و لا يعيد التاريخ بمرارتها الاولى، و من جرّب المجرَّب حلّت به الندامة ..
و هذا القرآن الكريم يوبّخ أهل العمه و الترف ممّن سايروا آباءهم من غير دراية ... قال
[١] -. مسند أحمد، ج ٣، ص ١٣.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٥٦.
[٣] -. يونس ١٤: ١٠.
[٤] -. نهج البلاغة، الخطبة: ٩٩.